زياد الجارد
لا تخسر الشركات دائماً بسبب القرار الخاطئ، بل تخسر أحياناً بسبب القرار المتأخر. فبينما تنتظر بعض الإدارات اكتمال الصورة ووضوح جميع المعطيات، يكون السوق قد بدأ بالفعل في تغيير قواعده.
وفي الأوقات التي لا تكون فيها الصورة واضحة، لا تصبح المنافسة بين من يملك المعلومات ومن لا يملكها، بل بين من يتحرك ومن ينتظر.
والشركات الأكثر قدرة على الاستمرار ليست بالضرورة تلك التي تتنبأ بالمستقبل بدقة، بل تلك التي تمتلك مرونة التكيف والتحرك مع ما يحمله المستقبل من تغيرات.
وهنا تظهر أهمية عدم حصر الإدارة نفسها في مسار واحد، بل إبقاء مساحة تسمح لها بالتكيف كلما تغيرت الظروف، حيث لا تتخذ قراراً واحداً ونهائياً، بل تتحرك عبر سلسلة من القرارات التي تمنحها مساحة أوسع للتحرك. ولا يعتمد هذا النهج على التنبؤ الدقيق بقدر اعتماده على بناء قدرة مؤسسية مستمرة على استقراء المشهد والتعامل مع المتغيرات بثقة ومرونة، بما يساعد الإدارات على اتخاذ القرار حتى عندما لا تكون الصورة مكتملة. فهذه الإدارات لا ترى القرار كنقطة نهاية، بل كمسار قابل للتعديل وباباً لخيارات جديدة كلما تغيرت المعطيات.
ولا يمكن لهذا النموذج أن ينجح دون بيئة داخلية تسمح بما يمكن تسميته بـ«فشل آمن» منضبط، فحين تُتخذ القرارات قبل اكتمال الصورة، يصبح الخطأ أمراً متوقعاً لا استثناءً.
فالبيئة التي تعاقب الخطأ، تدفع الإدارة إلى التردد والجمود، والتي تسمح بالتجربة ضمن حدود مدروسة، تبقي القرار في حالة حركة، فالتجربة ليست مخاطرة إذا أُديرت بوعي.
والمفارقة أن توفر البيانات اليوم لم يُبسط القرار، بل قد يكون زاد من صعوبته، فالمدير لم يعد يعاني من نقص المعلومات بقدر ما يعاني من كثرتها وتضاربها. وهنا تظهر أهمية القدرة على تصفية المعلومات والتعرف على الأنماط وتحليلها لاتخاذ قرارات استباقية حتى قبل اكتمال الصورة.
ولعل جائحة كورونا قدمت مثالاً واضحاً على ذلك، ففي الأيام الأولى للأزمة لم تكن الصورة واضحة لأحد، ولم يكن أحد يعرف متى ستنتهي الجائحة ، وهل سيتغير سلوك المستهلك أم لا؟ ومع ذلك، سارعت بعض الشركات إلى تفعيل قنوات البيع الإلكترونية وخدمات التوصيل والعمل عن بعد، رغم غياب اليقين الكامل. وفي المقابل، فضلت شركات أخرى الانتظار حتى تتضح الرؤية، لكنها اكتشفت لاحقاً أن السوق تغير بطريقة أسرع من قدرتها على الاستجابة واللحاق به.
لم يكن الفارق بين الطرفين امتلاك معلومات أكثر، بل امتلاك الجرأة على اتخاذ القرار، والقدرة على التجربة والتعلم ضمن بيئة تسمح بالتعديل السريع.
وقد أثبتت تلك المرحلة أن سرعة التكيف والاستجابة قد تكون أحياناً أكثر قيمة من دقة التوقعات نفسها، وهي مهارة تتطلب توازناً بين التحليل والجرأة، وبين الالتزام بالخطة والقدرة على تغييرها وإعادة تموضعها.
ويختصر ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، في حديثه الأخير هذه الفكرة، عندما أشار إلى أن هناك متغيرات كثيرة، وأن ما يبدو حقيقة اليوم قد لا يبقى كذلك في صباح اليوم التالي. وهي ملاحظة تعكس واقع الإدارة اليوم؛ فالتحدي لم يعد في معرفة ما سيحدث، بل في الاستعداد لما قد يحدث، والقدرة على التحرك والتكيف مع ما يفرضه الواقع من تغيرات.