د. هبة توفيق أبو عيادة
لم يعد الخطر الأكبر الذي يهدِّد مجتمعاتنا هو نقص المعلومات؛ بل سوء التعامل معها. ولم تعد الأزمة في قلة الأصوات؛ بل في كثرتها حتى غرق المعنى في الضجيج. نحن نعيش زمنًا يتحدث فيه الجميع، لكن قليلين من يستمعون. زمنًا تتسع فيه منصات التعبير، بينما تضيق فيه مساحات الفهم. ولذلك يبرز سؤال ملحّ: هل أزمة عصرنا الحقيقية هي تشوِّه التفكير أم فشل الحوار؟
الحقيقة أن الاثنين يسيران جنبًا إلى جنب، فالتفكير المشوَّه يقتل الحوار، والحوار الفاشل يزيد تشوّه التفكير. إنها دائرة مغلقة يدخلها الإنسان وهو يظن أنه يدافع عن الحقيقة، فإذا به يدافع عن أوهامه، ويخاصم الآخرين باسم القناعة، ويهدم الجسور باسم المبادئ.
لقد أصبح كثير من الناس أسرى لأنماط تفكير مضللة؛ فالبعض يرى الأمور بلونين فقط:
أبيض أو أسود.
حق أو باطل.
معنا أو ضدنا.
لا مساحة للتدرج، ولا مجال للاختلاف، ولا اعتراف بأن الحقيقة قد تكون أوسع من زوايا النظر الفردية. وهنا يبدأ التشوّه؛ حين يتحول الرأي إلى عقيدة لا تُناقش، وحين يصبح النقد عداءً، والمخالفة خيانة، والسؤال تمردًا.
ومع هذا التشوّه يفقد الحوار روحه. فالحوار الحقيقي لا يقوم على الرغبة في الانتصار، بل على الرغبة في الفهم. أما حين يدخل الناس إلى الحوار وهم يحملون أحكامهم المسبقة، ويبحثون فقط عن الأدلة التي تؤكد ما يؤمنون به، فإنهم لا يتحاورون، بل يتبادلون الخطب والاتهامات. كل طرف يتحدث، ولا أحد يصغي. كل طرف يريد أن يُسمَع، ولا أحد يريد أن يفهم.
ولعل أخطر ما أنتجته بيئات التواصل الحديثة أنها منحت الجميع منابر، لكنها لم تمنح الجميع حكمة استخدام تلك المنابر. فأصبح الإنسان محاطًا بمن يشبهونه في الأفكار والاتجاهات، يسمع الأصوات ذاتها، ويقرأ الآراء نفسها، فيتوهم أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها. وعندما يصطدم برأي مختلف، لا يتعامل معه كفرصة للتعلّم، بل كتهديد يجب إسقاطه أو إسكاته.
وهكذا انتشرت ثقافة الإلغاء بدل ثقافة الحوار، وثقافة التصنيف بدل ثقافة الفهم.
لم نعد نسأل: ماذا يقول الآخر؟ بل أصبح السؤال: إلى أي فريق ينتمي؟
ولم نعد نقيم الأفكار بميزان العقل، بل بميزان المواقف المسبقة.
وهنا تتراجع الموضوعية، وتتقدم العصبية بأشكالها المختلفة؛ الفكرية والاجتماعية والسياسية وحتى الأسرية.
المؤلم أن آثار هذه الأزمة لا تقف عند حدود النقاشات العامة، بل تتسلل إلى بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا بأشكال متعددة:
زوجان يفشلان في إدارة خلاف بسيط لأن كل واحد منهما يريد أن يكون المنتصر.
أب لا يسمع ابنه لأنه يعتقد أن العمر وحده يمنحه الحق المطلق.
معلم يرفض سؤال الطالب لأنه يراه تشكيكًا لا استفسارًا.
مسؤول يرفض النقد لأنه يخلط بين تقييم الأداء والطعن في الشخصية.
في كل هذه المشاهد لا يغيب الكلام، بل يغيب الفهم، ويظهر الأمر جليًا بأننا لسنا بحاجة إلى مزيدٍ من المتحدثين.. بل إلى مزيدٍ من المستمعين.
إن المجتمعات لا تنهار عندما تختلف، بل عندما تعجز عن إدارة اختلافها. فالاختلاف سنة كونية، والتنوع الفكري مصدر ثراء لا مصدر تهديد. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة، والرأي إلى متراس، والحوار إلى ساحة معركة. عندها يصبح الناس أكثر قربًا في المسافات، وأكثر بعدًا في القلوب والعقول.
إننا بحاجة إلى ثورة هادئة في طريقة تفكيرنا قبل حاجتنا إلى ثورة في طريقة حديثنا.
نحتاج أن نتعلم أن امتلاك رأي لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة.
وأن قوة الإنسان لا تظهر في قدرته على الكلام فقط، بل في قدرته على الاستماع.
وأن النضج الفكري ليس أن تجد من يوافقك دائمًا، بل إن تحترم من يخالفك دون أن تفقد قناعاتك.
فالحوار ليس مهارة لغوية فحسب؛ بل قيمة أخلاقية وحضارية. إنه اعتراف ضمني بأن الآخر إنسان يستحق أن يُسمَع، حتى لو لم نقتنع بما يقول. وهو الجسر الذي تعبر عليه المجتمعات من الانقسام إلى التفاهم، ومن التوتر إلى التعايش.
وفي الختام، قد لا يكون السؤال: هل أزمتنا تشوّه التفكير أم فشل الحوار؟ لأن أحدهما يولد الآخر باستمرار. السؤال الأهم هو: هل نملك الشجاعة لمراجعة أنفسنا؟ هل نستطيع أن ننصت قبل أن نحكم، وأن نفهم قبل أن نهاجم، وأن نبحث عن الحقيقة قبل البحث عن الانتصار؟ عندما نفعل ذلك، سنكتشف أن كثيرًا من معاركنا لم تكن بسبب اختلاف العقول، بل بسبب غياب القلوب التي تُحسن الإصغاء.