ناصر بن فريوان الشراري
في عالم تتشابك فيه الأزمات وتتسارع فيه وتيرة الصراعات، تبرز السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية كنموذج للدبلوماسية العقلانية التي توازن بدقة متناهية بين حماية الأمن القومي وصناعة الاستقرار الإقليمي، وتأتي السياسة السعودية تجاه الحرب الإيرانية والتصعيد المصاحب لها لتقدم برهان جلي على عمق الرؤية الإستراتيجية التي تتمتع بها القيادة، وتحديداً سمو ولي العهد -حفظه الله- في قراءة المشهد المعقد وإدارته بحنكة واقتدار، منتقلًا بالدور السعودي من مرحلة «احتواء الأزمات» إلى مرحلة «هندسة الاستقرار الشامل».
إن التدقيق في الموقف السعودي، وبخاصة في المبادرة بالطلب من الولايات المتحدة الأمريكية التهدئة في هذه الحرب الدائرة، يكشف عن تفكيك عميق لموازين القوى وتوقع دقيق لآثارها، فإن «قراءة المشهد» لدى سمو ولي العهد لا تنطلق من ردود أفعال لحظية أو عواطف سياسية عابرة، بل تستند إلى فهم جيوسياسي شامل يدرك أن الحروب المفتوحة في المنطقة هي صراعات صفرية لا رابح فيها، وأن كلفة التصعيد غير المحسوب ستلقي بظلالها الثقيلة على أمن واستقرار خطوط الملاحة والاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن هذا المنطلق، تتبنى المملكة مفهوماً متطوراً لـ»الدبلوماسية الوقائية»، حيث يمثِّل خيار المطالبة بالتهدئة أداة إستراتيجية لتفكيك عناصر التوتر وعزل فتيل الانفجار قبل وقوعه، ولم يكن هذا الخيار يوماً وليد ضعف أو تراجع، بل هو توظيف ذكي ومدروس لثقل المملكة السياسي والدبلوماسي، فالطلب من القوة الدولية الأكبر كأمريكا بالتدخل لضبط الإيقاع يعكس قدرة القيادة على توجيه جهود الحلفاء الدوليين نحو مسارات تسهم في خفض التصعيد، بدلاً من الانجرار وراء سيناريوهات المواجهة الشاملة التي تستنزف مقدرات الشعوب.
وإن هذا التوجه العقلاني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة الوطنية العليا وحماية المكتسبات التنموية، وهنا يكمن المغزى الأعمق للسياسة السعودية الحديثة، حيث لم يعد الملف الخارجي منفصلاً عن الواقع الداخلي، بل أصبح امتداداً حيوياً له. فالأمن القومي والأمن الاقتصادي وجهان لعملة واحدة، المملكة التي تقود اليوم حراكاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق من خلال «رؤيتها الطموحة 2030»، تعي تماماً أن التنمية المستدامة وبناء دولة المستقبل يتطلبان بيئة إقليمية آمنة ومستقرة وبالتالي، فإن السعي نحو التهدئة ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو «درع إستراتيجي» يحمي النهضة الاقتصادية للمملكة، ويؤمن محيطها الإقليمي من منزلقات الحروب الاستنزافية، انطلاقاً من معادلة قيادية حاسمة: (صفر أزمات سياسية = حد أقصى من النمو والازدهار).
الموقف السعودي يتجاوز مغزى البُعد الإقليمي الضيق ليرتبط بالمسؤولية الدولية، فالرياض كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي ومحور جيوسياسي يربط القارات تدرك أن أي شرارة تصعيد ستنعكس سلباً على المنظومة الدولية بأكملها، لذا فإن مبادرتها بكبح جماح التصعيد تعزز مكانتها كـ «صمام أمان» عالمي يتحدث من موقع المسؤولية والقدرة على التأثير، مستخدمةً عقلية رجل الدولة الذي يقرأ الأمور بشكلها الشمولي الذي يسعى لسلام المنطقة كأصل ثابت، ويرفض الرهانات السياسية الخاسرة.
خلاصة القول: إن سياسة المملكة تجاه هذا الصراع تثبت بوضوح نضج التجربة الدبلوماسية السعودية وقدرتها على تحويل التحديات العاصفة إلى فرص لترسيخ السلام المستدام، لقد أثبتت الأيام أن رؤية سمو ولي العهد في إدارة هذا الملف الحساس ترسخ مكانة السعودية كقائد إقليمي حكيم، حيث أصبح هو من يعيد توجيه الرياح نحو شواطئ الأمان والاستقرار للمنطقة والعالم أجمع.