د.شامان حامد
«صحة الإنسان أولاً»، ليست عبارة بروتوكولية تُقال في المناسبات، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل فلسفة دولة كاملة، أكد عليها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بأن الإنسان هو محور التنمية وأساس المستقبل، فكانت الصحة في قلب هذه الرؤية. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول موسم الحج 2026 إلى اختبار عالمي لقدرة المملكة على حماية حياة الملايين في زمن تتسارع فيه التهديدات الصحية وتتغير فيه خرائط الأوبئة، وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء الموسم بنجاح استثنائي: ماذا فعلت يا وزير الصحة؟.
كيف استطاعت منظومة صحية واحدة أن تدير أكبر تجمع بشري سنوي على وجه الأرض، وأن تستقبل أكثر من مليون و518 ألف حاج قدموا من خارج المملكة، إضافة إلى مئات الآلاف من الداخل، دون تسجيل تفشٍ وبائي واحد أو تهديد صحي مؤثر على الصحة العامة؟، والجواب ببساطة في قصة عمل متكاملة بدأت قبل وصول أول حاج إلى الأراضي المقدسة، واستمرت حتى مغادرة آخر حاج وهو يحمل معه تجربة صحية وإنسانية استثنائية بدأت من الوقاية إلى صناعة الطمأنينة.
وهذا ما جسدته وزارة الصحة السعودية بقيادة الوزير فهد الجلاجل خلال موسم الحج، فيما يشهد العالم مستجدات صحية دولية مقلقة، شملت تفشيات لفيروس إيبولا في بعض الدول ورصد حالات مرتبطة بفيروس هانتا في مناطق مختلفة من العالم، كانت المملكة تبني منظومة صحية متقدمة للرصد والتقصي الوبائي والاستجابة المبكرة، فخلا حجنا من أي حالة اشتباه أو إصابة مؤكدة بالأمراض الوبائية المؤثرة على الصحة العامة بين الحجاج، في إنجاز يعكس مستوى الجاهزية الصحية الوقائية التي سبقت الموسم بوقت طويل.
حين نتحدث عن أكثر من 1.518 مليون حاج قادم من خارج المملكة، فنحن لا نتحدث عن أرقام مجردة، بل عن عشرات الجنسيات، وآلاف الرحلات الجوية، وملايين التحركات اليومية، ومخاطر صحية مُحتملة تتضاعف مع الازدحام وارتفاع درجات الحرارة، في معادلة معقدة واجهتها وزارة الصحة بمنهجية علمية دقيقة اعتمدت على مفهوم «الاستطاعة الصحية»، والاشتراطات الوقائية، وبرامج التحصين واللقاحات، والتقييم المستمر للمخاطر، ولم تكن المهمة مجرد علاج للحالات المرضية، بل شملت خدمات وقائية وإسعافية وتوعوية ورقابية متقدمة، مدعومة بأنظمة رقمية وتقنيات حديثة ساهمت في رفع سرعة الاستجابة ودقة اتخاذ القرار.
ومن أبرز ملامح حج 2026 توظيف المملكة للتكنولوجيا المتقدمة في خدمة صحة الحجاج، ضمن بنية تحتية ضخمة تمتد على أكثر من 73 مليون متر مربع من الطرق والمناطق العامة، أشادت منظمة الصحة العالمية بها في استخدام المملكة للروبوتات والطائرات المسيّرة والتقنيات الصحية الحديثة لمتابعة الحالة الصحية للحجاج وتقديم الخدمات في مختلف المواقع، فأثبتت السعودية أن التقنية ليست رفاهية تنظيمية، بل أداة استراتيجية لإنقاذ الأرواح وتعزيز الأمن الصحي.
ماذا فعل فهد الجلاجل؟. ربما يكون السؤال الأدق هو: ماذا كان يفعل فهد الجلاجل طوال الأشهر التي سبقت الحج؟. وببساطة كان يقود واحدة من أعقد عمليات الجاهزية الصحية في العالم. بدأت من مراجعة المخاطر الصحية الدولية، إلى التنسيق مع المنظمات العالمية، إلى رفع جاهزية المستشفيات، وتعزيز خطط الاستجابة السريعة، ومتابعة برامج التحصين، وإدارة الرصد الوبائي، والتأكد من تكامل جميع الجهات المشاركة في خدمة الحجاج.
لم يكُن النجاح الصحي للحج مسؤولية وزارة الصحة وحدها، بل كان نتاج عمل تشاركي ضخم ضم وزارة الداخلية، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة النقل، والدفاع المدني، والهلال الأحمر، والهيئات الأمنية والخدمية المختلفة. وكانت النتيجة موسماً اتسم بالانسيابية والتنظيم العالي وسرعة الاستجابة لأي طارئ محتمل، وهُنا نجد إشادات دولية حيثُ هنأ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس المملكة بنجاح موسم الحج، وكذلك تأكيد الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، بأن الجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها المملكة للحجاج تمثل نموذجاً متقدماً في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
هذه الإشادات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة عمل مؤسسي ضخم جعل من الأمن الصحي للحج جزءاً من الأمن الصحي العالمي. وبعد انتهاء حج 2026، يمكن للعالم أن يختلف في السياسة والاقتصاد والرياضة، لكنه يصعب أن يختلف على حقيقة واحدة: أن المملكة العربية السعودية نجحت مجدداً في إدارة أكبر تجمع بشري على وجه الأرض بكفاءة صحية استثنائية.
ولذلك فإن سؤال «ماذا فعلت يا وزير الصحة؟» يجد إجابته في أكثر من مليون وخمسمائة ألف حاج عادوا إلى بلدانهم سالمين، وفي إشادات أممية متتالية، وفي منظومة صحية أثبتت أن حماية الإنسان ليست مجرد مهمة حكومية، بل رسالة وطنية وإنسانية تتجدد كل عام من أرض الحرمين الشريفين.
وهنا فقط يمكن القول: لقد فعلت الكثير يا فهد مع الفريق الصحي في الوزارة.