الهادي التليلي
الكذبة المتوارثة بأن الإعلام الغربي هو الحقيقة وهو الممثل للقيم الإعلامية السمحاء أسقطتها الوقائع والأحداث لدرجة تجعل السؤال الذي يدور بخلد متابع الفضائيات الغربية هل ما ينقل لنا هو الواقع أم أن الخط التحريري للقناة ينتقي لنا ما يتماشى والمصلحة العامة لمن ينسجون خيوط الخط التحريري؟ هل الرعاة الممولون للفضائيات هم من يقفون وراء الموقف الإعلامي وترجمته للمشاهد؟ وهل ما ينقل للمشاهد هو نفسه ما يحصل في الواقع أم أن غرف المونتاج والخيارات الخارجية تفعل فعلها في ما عدا الأخبار الطارئة التي تفرض نفسها؟ وهل المراسل الذي يقف أمام المشاهدين يتوجه فعلا فقط للمشاهدين أم أنه مطالب برسائل ولاء لمشغليه؟ في الحقيقة لا توجد حقيقة تامة توجد وجهات نظر تصطبغ بلون وفكر من يرسمون الخط التحريري لدرجة أن الخبر الواحد تجده مختلفا من حيث صياغة نقله للمشاهد لدرجة محيرة فعلا؟
ومن جهة أخرى، نجد وسائل التواصل الاجتماعي بإمكانيات بسيطة يقدمون معطيات مغايرة تماما عما تقدمه الإخباريات لدرجة أن طيف كامل من المشاهدين فقد الثقة في هذه الإخباريات سواء كانت عموميا وأو تابعة لجهات ما أو خاصة ذات ولاء.
لم تعد في ذهن المشاهد قاعدة أن وسائل الإعلام تنقل الخبر بقدر ما أصبحت تستثمر في الخبر وتبيع صورا ذهنية للمشاهد، هل المتكلم في الشاشة صادق ومقتنع تماما بما يقوله أم أنه مكلف بمهمة نقل رسالة إعلامية لجمهور المشاهدين، وهل فعلا أسطورة الحياد الإعلامي مثلها مثل عروس البحر ظهرت في بعض الفضائيات مثلما تظهر وشبه للبعض أنها ظهرت بل أنك وفي نفس القناة وفي فترات متفاوتة ومع نفس الإعلامي تجد تناقضا تاما بينما كان يقوله وما يقوله لحظة البث وفي نفس الموضوع والسياق، وكأنما يكذب نفسه، لماذا أصبح المشاهد يدقق النظر في تفاصيل وهامش كلام من نراهم في الشاشات وكأنه يقيس مدى الصدقية بشكل وكيفية الأداء الإعلامي، لماذا عقد الثقة بين إعلامي الإخباريات لم يعد ساري المفعول ومنتهي الصلاحية؟ وهذا ينطبق على الحدث الجلل والحدث العادي، فلو عدنا للتاريخ وهنا لا أتحدث عن حرب اكتوبر وإنما عن حربي الخليج الاولى والثانية والحرب الصهيونية على غزة وحرب إيران وإسرائيل لآخر لحظة ترى الفضائيات تتلاعب بالمشاهدين، والحال إن الحقيقة بعيدة كل البعد لدرجة أن نهاية مثل نهاية الحرب الإيرانية الإسرائيلية بعيدة كل البعد عن خط سير الأحداث وأقرب إلى السيناريو المحبكً الإخباريات العربية في مجملها تصنع كذبا يتماشى وخطها التحريري حتى وإن كان هذا الكذب قريباً جداً من الواقع هنا تحضرني واقعة عشتها بالفعل ففي الصائفة المنقضية وأنا في تونس وتحديدا في مدينة القصرين خرجت فجرا لأشتري الفطاير، وهنا لا أعني الفطائر الشرقية وإنما أكلة تونسية من العجين المقلي بالزيت تعد من الأكلات الصباحية عند وصولي للمحل وجدت طابورا من الناس وكلهم يتحدثون عن قصة بعينها ومن يرويها أهل الضحية ومفادها أن مواطنا تونسيا من نفس هذه المنطقة ومن أجوار المحل نفسه، وهم هنا لأخذ الفطاير للمعزين.
قتلته الشرطة في فرنسا
ومفاد الحكاية انه قتل بعد شجار مع مواطنين أصيلي إحدى الدول العربية المجاورة كانوا قد تكتلوا عليه ولكنه قاومهم وعندما فشلوا في مقاومته اتصلوا بالشرطة الفرنسية معلمينهم ان هناك إرهابيا وقدمت الشرطة ودون تثبت قتلته على الفور..
والراوي يسرد والمستمع يدقق بعبارة قل والله متعجبا أخذت طلبي وعدت إلى بيت أصهاري وبعدها تحركت إلى العاصمة باتجاه المطار لأعود للرياض المهم وأنا في الطريق كل الإعلام المحلي في الإذاعات يتحدث عن ارهابي قتلته فرنسا وكيف أن مثل هذا التصرف قد يؤذي المغتربين في باريس، فتحت رابط قناة فرنسية ناطقة بالعربية فرانس 24 وجدت المنشط تونسيا أعرفه جيدا وهو من جيلي وجدته يتبنى نفس السردية الفرنسية التي تتحدث عن بطولة للشرطة الفرنسية التي قضت على إرهابي خطير، قلت دعني أرى وسائل التواصل الاجتماعي وجدت صورا ووثائق وفيديوهات كلها تؤكد رواية متجر «الفطايري» وأهل الضحية بعد فترة نفس المعلق في إحدى الإذاعات التونسية نجد مذيعا يستضيف نفس الإعلامي التونسي في القناة الفرنسية ويكرر نفس السردية الرسمية للداخلية الفرنسية ساعتها هممت بأن اتصل بالإذاعة نفسها ولكن أوكلت الأمر للتاريخ وبعد أيام الرأي العام الفرنسي نفسه انتفض على الخطاب الرسمي وتحول الضحية والذي كان في نفس القناة إرهابيا تحول إلى بطل شعبي وضحية العنصرية الفرنسية ونفس المذيع صار يتحدث بعد شهر تقريبا بنفس سردية متجر الفطايري.
الحكاية تبدو بسيطة ولكن تعبر عن تأخر قناة ناطقة باللغة العربية شهراً كاملة عن الحقيقة التي نطق بها الواقعة وليس في موقع حدوث الخبر وإنما في قرية بعيدة جدا في قارة أخرى.
في فترة ما كان الإعلام يوجّه الجمهور ويصنع ما يجب وما يتماشى مع الخطاب الرسمي ومع تزايد البدائل الإخبارية ونعني خاصة وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الرأي العام يؤثر في الخط التحريري للاخباريات العربية ويعيدها إلى بعض رشدها أو لنقل صوابها لنكون أكثر دقة.
بعض الإخباريات العربية سواء عربية المنشأ أو قنواة أجنبية تقدم بثا باللغة العربية كلها تبيع للمشاهد نفس المادة الإعلامية، خاصة في الأحداث العالمية ولكن بطرق مختلفة بل ومتقاطعة أحيانا وتقدم وجهة نظر من ورائها وتوجه مشاهديها وفق ما يتماشى والخط العام الذي تنتمي إليه ومهما كانت طبيعة هذا الخطاب ملائكياً أو شيطانياً خيراً أو شريراً هو كذب على الواقع وترجمة له، وكل ترجمة خيانة على حد قول المثل الإيطالي tradutore traditore أي الترجمة خيانة بمعنى خيانة للمعنى الأصلي للخطاب.
المشاهد العربي أصبح يشاهد الفضائيات الإخبارية وفي نفس الوقت يمسك جواله ليتحقق من المعلومة بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وهذه مسألة جد خطيرة بل إن نسب مشاهدات الجمهور للاخباريات يتناقص يوما بعد يوم لفائدة وسائل تواصل اجتماعي بسيطةً في مجملها وتعتمد على التوثيق المباشر للأشخاص وهنا يحضرني قول أحد علماء الاجتماع المعاصرين الذي يرى بأن نزول الجمهور بنفسه ليخبر عن الأحداث دليل على عدم ثقته بالقنوات الرسمية للخبر.
الأحداث لا تكتب نفسها ولا تنطق عن نفسها وتحتاج من يخبر عنها والمشاهد يحتاج إلى عقد ثقة مع من يقدم له الخبر ولو عدنا إلى نقل الحديث والإخبار عنه في ثقافتنا الإسلامية نجد شروطا دقيقا في الجرح والتعديل شروطا منها ما يتعلق بالمتن ومنها ما يتعلق بالسند أي سلسلة الرواة.
وفي ما يخص علاقة المشاهدين بالإخباريات خاصة نجد تنافرا صنعته الخطوط التحريرية من ناحية وعقل المشاهد الذي تطور يوما بعد يوم ولم يعد يقنع بكل ما يسمعه لدرجة أن في الشارع العربي عندما يكذب احدهم يقال هذا قناة كذا ذاكرين اسم قناة اخبارية شهيرة.
هل يكفي استقطاب أكثر الإعلاميين كفاءة ومصداقية لبناء مشهد إخباري بديل طبعا لا والدليل أن أكثر الإعلاميين مصداقية بفعل انتمائهم لفضائيات بعينها أصبحوا أشخاصا آخرين وهنا حتى لا نظلم الإعلامي فإن من يريد التغريد خارج السرب إما يخسر وظيفته أو تتم تصفيته من طرف إسرائيل أو يجبر على العودة إلى الصندوق وبيت الطاعة وتطبيق التوصيات الصباحية والمسائية في كيفية صياغة الخبر.
استقطاب الكفاءات الإعلامية جيد ولكنه غير كاف كوصفة علاجية لمشهد الإخباريات لأن بناء الثقة مع المشاهد تتطلب مضادا حيويا لعلاج الظاهرة، حيث لا بد أن يكون المشرفون على هذه الفضائيات على قدر من الكفاءة والانتماء للمهنة أكثر من القدرة على الولاء للسائد.
كما أن استقلالية القناة نفسها وتوفرها على اكتفاء ذاتي من حيث العوائد المالية يعطيها مساحة من الحياد والتعويل على الذات لا يعني الركوع المستشعرين سواء كانوا أفرادا أو كيانات وإنما بصناعة محتويات تسويقية وبناء خطط بناءة كصناعة المحتويات والمشاريع الموازية وغيرها.
لا شيء يضعف الفضائيات الخاصة أكثر من العجز المالي وغياب رؤية واضحة للاستثمار في الخبر وصناعة محتوياته.
الإخباريات العربية عموما إلا القلة القليلة تستثمر في المشاهد أكثر مما تستثمر في الخبر فتسقط في التجارية الفجة وتصبح أمام إخباريات باهتة.
الفضائيات العربية على كثرتها وعلى مختلف مشاربها وخطوطها التحريرية لم تستطع أن تبني منذ نشأتها جميعا عقد ثقة تام المعايير مع المشاهد طبعا في ما عدا بعض الأسماء المحترمة جدا التي يتابعها الجمهور خاصة خارج قراءة الأخبار ونعني التحاليل والحوارات ولن نذكر أحدا في هذا السياق.
الإخباريات العربية في حاجة إلى وقفة تأمل خارج دائرة السائد إنها في حاجة إلى تقييم ذاتها خارج الاستفتاءات وأرقام المشاهدات الوهمية التي يتم شراء باقاتها أحيانا الإعلام الإخباري استثمار ناجح فشل في اقتناص فرصه العاملون فيه.