وائل العتيبي - الظهران:
حين تنطفئ أضواء آخر العروض في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، لن يكون ما حدث مجرد أسبوع سينمائي مزدحم بالأفلام والندوات والجوائز. فالمهرجان، الذي تحتضنه الظهران بين 25 يونيو و1 يوليو 2026، بات اليوم أحد أهم المؤشرات الثقافية التي يمكن من خلالها قراءة التحول العميق الذي تشهده المملكة في قطاعها الإبداعي، والانتقال المتسارع للسينما السعودية من الهامش إلى قلب المشهد الثقافي العربي.
لم يعد مهرجان أفلام السعودية مجرد منصة لعرض الأفلام أو مناسبة سنوية يلتقي فيها صنّاع السينما، بل تحوّل خلال سنوات قليلة إلى أحد أهم المحركات الثقافية التي تعيد رسم ملامح الصناعة السينمائية السعودية، وتمنح المواهب المحلية نافذة للعبور نحو المشهدين العربي والعالمي.
وتأتي الدورة الجديدة، التي تنظّمها جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، وبدعم هيئة الأفلام، تحت محور «سينما الرحلة» وشعار «كل حكاية رحلة»، في انعكاس رمزي لمسيرة السينما السعودية نفسها؛ رحلة انتقلت من محاولات فردية محدودة إلى صناعة تتسع عاماً بعد آخر، وتتحول تدريجياً إلى أحد مكوّنات القوة الناعمة للمملكة.
من توثيق البدايات إلى صناعة المستقبل
قبل أقل من عقدين، كانت صناعة الفيلم السعودي تبحث عن فضاءات للعرض والاعتراف. أما اليوم، فهي تمتلك منظومة متنامية تشمل مؤسسات داعمة، واستوديوهات إنتاج، وشركات توزيع، ومهرجانات وأسواقاً متخصصة، إلى جانب أفلام تنافس في المحافل الدولية.
وفي قلب هذا التحول يقف مهرجان أفلام السعودية بوصفه المؤسسة الثقافية التي رافقت رحلة السينما الوطنية منذ بداياتها الأولى.
فالمهرجان لم يعد يكتفي بعرض الأفلام، بل بات ينتج بيئة سينمائية متكاملة؛ يكتشف المواهب، ويدرب الكوادر، ويربط المنتجين بالممولين، ويخلق حواراً بين التجارب المحلية والعالمية، ويوفر منصة للنقد والتسويق والتوزيع.
ويعكس هذا التحول تطوراً أوسع في مفهوم الثقافة داخل المملكة، حيث لم تعد الثقافة نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل قطاعاً اقتصادياً واستثمارياً يخلق الوظائف، ويجذب الاستثمارات، ويعزز الحضور السعودي عالمياً.
«سينما الرحلة».. حين تتحول الحكاية إلى مرآة للمجتمع
لا يبدو اختيار «سينما الرحلة» محوراً للدورة الثانية عشرة مجرد عنوان جذاب، بل يحمل دلالات ثقافية وفلسفية عميقة.
فالرحلة تُعد واحدة من أقدم البنى السردية في التاريخ الإنساني؛ من ملحمة جلجامش إلى الأوديسة، وصولاً إلى السينما الحديثة، ظل الإنسان يروي تحوّلاته واكتشافه للعالم عبر فكرة الرحلة. وفي السياق السعودي، يكتسب هذا المحور بعداً إضافياً، إذ يتقاطع مع رحلة مجتمع يعيش تحولات اقتصادية وثقافية واجتماعية متسارعة، ويعيد تعريف علاقته بالهوية والمكان والعالم.
ولهذا تبدو قائمة أفلام «سينما الرحلة» أقرب إلى محاولة لقراءة الإنسان في لحظة عبوره الكبرى، عبر ثمانية أعمال هي: «مملكة القصب»، و«صراط»، و«الأرض المفقودة»، و«شجرة الليمون»، و«صرخة المعدن»، و«صف ثاني»، و«القصة غير المروية لشهماران»، و«عبر المياه».
وتكشف هذه الأعمال عن توجه المهرجان نحو تقديم تجارب سينمائية ذات أبعاد إنسانية عابرة للحدود، وتتيح للجمهور السعودي الاطلاع على مدارس فنية وتجارب سردية متعددة.
سوق الإنتاج.. حيث تولد الأفلام قبل أن يراها الجمهور
بعيداً عن السجادة الحمراء وضجيج العروض، تبرز إحدى أهم فعاليات المهرجان في «سوق الإنتاج»، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة استراتيجية لصناعة المستقبل السينمائي. وضمت القائمة النهائية ستة مشاريع أفلام طويلة هي: «بين الاثنين» للمخرجة ملك قوته، و«الوادي» للمخرج خالد فهد، و«من الصفر للألف» للمخرجة هناء الفاسي، و«شراب» للمخرج عماد إسكندر، و«في بلاد الخزامى» للمخرج علي سعيد، و«جثمان أخضر» للمخرج خالد زيدان.
ولا تكمن أهمية هذه المشاريع في عناوينها فحسب، بل في كونها مؤشراً على اتجاهات السرد الجديدة في السينما السعودية والخليجية، كما تعكس اتساع قاعدة الإنتاج المحلي، وظهور جيل من المخرجين والمنتجين القادرين على تحويل الأفكار إلى منتجات ثقافية قابلة للإنتاج والتوزيع والاستثمار.
وهنا يظهر أحد أبرز تحولات السينما السعودية: الانتقال من النظر إلى الفيلم بوصفه عملاً فنياً فقط، إلى اعتباره صناعة متكاملة تبدأ بالفكرة ولا تنتهي عند شباك التذاكر.
العروض الموازية.. مختبر التجريب واكتشاف المستقبل
يمنح المهرجان مساحة خاصة للأعمال التي تتجاوز القوالب التقليدية، وتغامر في أشكال سردية جديدة من خلال برنامج العروض الموازية. وتضم القائمة أفلام: «الهندول»، و«النسخة 24»، و«المشهد»، و«نفسها بس نفسها»، و«خطى الذاكرة بين بلاد الفل والريحان»، و«إسك».
وتبرز هذه الأعمال قدرة المهرجان على احتضان التنوع الفني، من الدراما والرومانسية إلى الوثائقي والخيال العلمي، بما يعكس تطور الذائقة السينمائية المحلية واتساع آفاقها.
الفيلم الروائي الطويل.. المعيار الأصعب لنضج الصناعة
في التجارب السينمائية الصاعدة، يظل الفيلم الروائي الطويل الاختبار الحقيقي للنضج. فالقدرة على إنتاج فيلم طويل ناجح تتطلب منظومة متكاملة من الكتابة والإنتاج والإدارة والتسويق والتوزيع.
وتتنافس هذا العام ستة أعمال هي: «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«ربشة» لمحمد مكي، و«مسألة حياة أو موت» لأنس باطهف، و«سعود وينه؟» لمحمد الإبراهيم، و«باب» لنائلة الخاجة، و«إركالا حلم كلكامش» لمحمد الدراجي.
وتكشف هذه القائمة عن تنوع لافت في الموضوعات والأنماط السينمائية، بين الدراما والرومانسية والكوميديا والغموض، بما يعكس اتساع المشهد الإبداعي في المنطقة.
الوثائقي السعودي.. ذاكرة وطن تُكتب بالصورة
من أبرز ملامح الدورة الجديدة الحضور المتنامي للفيلم الوثائقي، الذي لم يعد مجرد نوع فني موازٍ، بل أصبح وسيلة لتوثيق التحولات الكبرى التي يعيشها المجتمع. وتشارك في هذه الفئة أعمال: «بقشة سعد»، و«ضباب البارود»، و«ضد السينما»، و«عمق»، و«فريحة»، و«مرجوج هزازي»، و«نور».
ويعكس هذا الحضور وعياً متزايداً بأهمية الفيلم الوثائقي بوصفه أرشيفاً بصرياً للمرحلة، وأداة لحفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التفاصيل الإنسانية والاجتماعية والثقافية قبل أن تبتلعها سرعة التحولات.
الأفلام القصيرة.. المختبر الأول للمواهب
كما تضم الدورة 13 فيلماً قصيراً تمثل المختبر الحقيقي الذي تخرج منه غالباً الأسماء السينمائية الجديدة.وتشمل القائمة: «حفل الافتتاح»، و«الستر»، و«الرجل الذي تعثر في كلماته»، و«ابتزاز»، و«حبل سري»، و«برجر محلي»، و«بذرة»، و«صرخة نملة»، و«سام»، و«يوم العزاء الأول»، و«زائف»، و«مرزوق»، و«مجهول».
وتؤكد هذه المشاركة الواسعة أن الفيلم القصير لا يزال أحد أهم روافد التجديد والتجريب وصناعة المواهب في السينما السعودية.
لجنة تحكيم تعكس الطموح العالمي
يعزز المهرجان مكانته الدولية من خلال لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة برئاسة المخرج الإسباني غييرمو غاليو، الحائز على جوائز دولية مرموقة، وعضوية الفنان السوري جهاد عبده، والمخرج السعودي عبدالعزيز الشلاحي. ولا يمثل هذا الاختيار مجرد إجراء تنظيمي، بل يعكس رغبة المهرجان في إخضاع الأعمال المشاركة لمعايير تقييم عالمية، وتعزيز الحوار بين التجارب السعودية والعربية والدولية.
أكثر من مهرجان
ربما تكمن أهمية مهرجان أفلام السعودية اليوم في أنه لم يعد يتحدث عن الأفلام فقط. إنه مختبر ثقافي يرصد تحولات المجتمع، ومنصة اقتصادية تدعم صناعة إبداعية واعدة، وجسر للحوار مع العالم، وأداة من أدوات القوة الناعمة السعودية.فالسينما ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة لصناعة الوعي والذاكرة والصورة الذهنية للأمم.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الدورة الثانية عشرة بوصفها محطة جديدة في رحلة أطول؛ رحلة بدأت بحكايات صغيرة على شاشات محدودة، وتتحول اليوم إلى صناعة ثقافية متكاملة تسعى إلى المنافسة عالمياً دون أن تفقد صوتها المحلي وهويتها الخاصة.
ولهذا لا يبدو شعار الدورة الحالية «كل حكاية رحلة» مجرد عبارة دعائية، بل توصيفاً دقيقاً لرحلة السينما السعودية نفسها؛ رحلة بدأت بكاميرات فردية وأحلام صغيرة، وتكتب اليوم فصلاً جديداً في تاريخ الإبداع السعودي والعربي.