د. عبدالله علي بانخر
لم تعد الألعاب الإلكترونية (Games) مجرد وسيلة لتمضية وقت الفراغ أو تسلية عابرة مخصصة للأطفال، بل تحولت في المنظور التنموي الحديث إلى واحدة من أضخم الصناعات التكنولوجية، المعرفية، والاقتصادية الفاعلة. إننا أمام قوة ناعمة واقتصاد رقمي متين يتجاوز اليوم بملياراته إيرادات صناعات ترفيهية تقليدية راسخة كصناعة السينما والموسيقى مجتمعتين. ومن هنا، يبرز هذا القطاع كبيئة خصبة لابتكار رأس المال البشري، وصناعة المحتوى، وبناء الهويات الثقافية ضمن مشهد دولي يتنافس على قيادة المستقبل الرقمي.
لغة الأرقام: من الفضاء العالمي إلى الريادة السعودية
تشير القراءات الاقتصادية العالمية لعام 2026 إلى أن حجم سوق الألعاب الإلكترونية بلغ نحو 386.04 مليار دولار، وسط توقعات قوية بأن يقفز هذا الرقم ليتجاوز حاجز الـ618 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعاً بقاعدة مستخدمين تتجاوز 3.5 مليار لاعب حول العالم.
وفي قلب هذا الحراك، تعيش منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسرع معدلات النمو عالمياً، مدفوعة بتركيبة سكانية شابة وشغوفة بالتقنية. وهنا تبرز المملكة العربية السعودية كقاطرة النمو الإقليمي؛ حيث تتربع على عرش أكبر أسواق الألعاب في المنطقة بحصة تتجاوز 57 % من إجمالي إيرادات السوق الإقليمي، وبحجم سوق محلي يتجاوز 2.3 مليار دولار. هذا النمو يعكس قفزة هائلة في الاستهلاك والإنفاق، مدعوماً ببنية تحتية رقمية متطورة للغاية ونسبة انتشار للإنترنت تقارب 99 %.
تفكيك الوعي المحلي: ماذا يريد اللاعب السعودي؟
في سياق رصد هذا التحول، استوقفتني دراسة إحصائية حديثة نشرتها المنصة المتخصصة «سعودي جيمر»، والتي أجرت استطلاعاً حول تطلعات اللاعبين من الألعاب محلية الصنع (Homegrown Games). هذه النتائج لا تقدم مجرد أرقام استهلاكية، بل تحمل دلالات ثقافية واجتماعية بالغة الأهمية تعكس نضج الوعي لدى الجيل الجديد وتلخصت في الآتي:
- الأساطير والقصص العربية (44 %): حصدت الحصة الأكبر بفارق مريح. والدلالة هنا واضحة؛ هناك تعطش شديد لدى الشباب لقصص مستمدة من ميثولوجيانا وملاحمنا العربية القديمة، وتاريخنا الثري الذي يزخر بحكايات وعوالم عميقة لم تُستثمر بعد درامياً أو تقنياً، رغبةً في الفكاك من تكرار الميثولوجيات الغربية والآسيوية المستوردة.
- المناظر الطبيعية والمدن والمواقع التاريخية المحلية (23 %): تعكس رغبة حقيقية في «أنسنة» العوالم الافتراضية، ومطالبة برؤية التضاريس السعودية والمواقع التراثية (مثل العلا، والدرعية، وأحياء الرياض وجدة القديمة والحديثة) كميادين وخرائط للعب والارتباط البصري الافتراضي.
- اللغة والحوارات العربية (21 %): تؤكد أن استخدام اللغة العربية الأصيلة والحوارات المتقنة لم يعد مجرد «ميزة إضافية»، بل هو ركيزة أساسية لتحقيق الاندماج الكامل والعميق في التجربة الإبداعية.
- الشخصيات والثقافة السعودية (12 %): تعبر عن تطلع لتقديم الشخصية المحلية بشكل واقعي، إيجابي، وعميق، يقطع الطريق أمام الصور النمطية والمشوهة التي طالما كرستها بعض الألعاب الأجنبية.
آفاق المستقبل ومنظور «اقتصاديات الإبداع»
إن الانتقال من مرحلة «الاستهلاك الشغوف» إلى مرحلة «الإنتاج والتطوير» هو جوهر الرهان المستقبلي. وضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، لم يعد التعامل مع هذا القطاع عفوياً؛ إذ تقود المملكة اليوم ثورة إستثمارية وهيكلية شاملة عبر استراتيجية قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، مدعومة بمؤسسات عملاقة مثل «مجموعة سافي للألعاب» (Savvy Games Group).
الآفاق المستقبلية لا تقف عند حدود تنظيم البطولات العالمية الكبرى في الرياض، بل تمتد لتأسيس حاضنات واستوديوهات تطوير محلية قادرة على تحويل هذا الفضاء الإبداعي إلى أصول رأسمالية مستدامة. المستقبل هنا ينتمي للاستوديوهات والمبدعين الذين يستطيعون تحويل عناصر الهوية التراثية والثقافية إلى منتجات رقمية منافسة تسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني، وتفتح آلاف الفرص الوظيفية النوعية للشباب السعودي في مجالات البرمجة، والتصميم، والتأليف الدرامي والسينمائي.
خاتمة: تفاؤل واعد وحذر واجب
ختاماً، إن المشهد العام لقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية في بلادنا يبعث على الكثير من التفاؤل؛ فالإرادة السياسية والدعم الاستثماري والبنية التحتية المتطورة كلها عوامل تؤسس لنهضة اقتصادية وتكنولوجية جبارة تضع المملكة في صدارة هذا المشهد الدولي.
ومع هذا التفاؤل الواعد، يظل الحذر الواجب قائماً؛ فالاندفاع الرقمي يتطلب منا التوازُن لحماية رأس مالنا البشري. يجب أن نحذر من مخاطر الإفراط والاعتماد المطلق على المحتوى الرقمي المستورد الذي قد يحمل في طياته أبعاداً فكرية وقيمية لا تتوافق مع هويتنا ومجتمعنا. ومن هنا، تكمن الأهمية القصوى لنتائج دراسة «سعودي جيمر»: إن صناعة ألعاب محلية بهوية وثقافة عربية أصيلة لم تعد مجرد ترف استثماري أو خيار تجاري رابح، بل هي ضرورة استراتيجية وحصن أمان فكري يصون وعي الأجيال، ويقدم للعالم المحيط بنا وجهنا الحضاري المشرق عبر نوافذ المستقبل الافتراضية.