د. عبدالمحسن الرحيمي
في المقال السابق «الندرة كميزة تنافسية»، طُرح مفهوم «هندسة الابتكار الكامن» بوصفه إطارًا لإعادة فهم العلاقة بين الموارد والقيمة، حيث لم تعد الثروة تُقاس بوفرة المورد ذاته، بل بقدرة النظام على إعادة تشكيل هذا المورد ضمن سياق معرفي وتقني يسمح باستخراج قيمة أعلى من الإمكانات غير المفعلة. لم يكن ذلك الطرح مجرد تأمل نظري، بل قراءة مبكرة لتحول أعمق في الاقتصاد العالمي، حيث تنتقل القيمة من الامتلاك إلى التنظيم، ومن الاستخراج إلى التحويل.
اليوم، تكشف الشركات التقنية الناشئة في الشرق الأوسط أن هذا المفهوم لم يعد إطارًا تحليليًا فحسب، بل أصبح منطقًا تشغيليًا فعليًا، يتجسد في نماذج أعمال تعمل داخل القيود، لا خارجها، وتحوّل ما يُفترض أنه عائق إلى بنية إنتاج.
المشكلة في الشرق الأوسط ليست نقص الموارد، بل طريقة التفكير فيها. فالشركات الناشئة الأكثر نجاحًا لا تهرب من القيود، بل تعيد تعريفها، حتى تتحول هذه القيود إلى خوارزميات غير مرئية تُدير الابتكار. هنا، لا تكون الخوارزمية مجرد أداة تقنية، بل تصبح تمثيلًا مباشرًا للقيود ذاتها، حيث يتم تحويلها إلى منطق تشغيلي قابل للبرمجة والتوسع.
في هذا السياق، يمكن تعريف «هندسة الابتكار الكامن» بوصفها إطارًا تشغيليًا يقوم على تحويل القيود من عناصر مُعيقة إلى منطق تصميم، بحيث لا يتم تجاوزها أو إزالتها، بل إعادة ترميزها ضمن أنظمة خوارزمية قادرة على إعادة تنظيم الموارد المتاحة وإنتاج قيمة أعلى منها. وبهذا المعنى، لا يكون الابتكار فعل إضافة، بل عملية إعادة تشكيل مستمرة لما هو موجود بالفعل ضمن بنية النظام.
هذا التحول يتقاطع مع ما تشير إليه تحليلات ماكينزي آند كومباني، التي تؤكد أن التقنيات القائمة على البيانات يمكن أن تضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد، كما يشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ما يقارب 44 % من المهارات الحالية ستتغير خلال سنوات قليلة، وهو ما يعكس انتقال القيمة من الموارد الثابتة إلى القدرات المعرفية الديناميكية، بينما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التنافسية لم تعد قائمة على ما تملكه الدول، بل على قدرتها على التعلم والتكيف.
ومع أهمية هذه التقارير الصادرة عن ماكينزي آند كومباني والمنتدى الاقتصادي العالمي والبنك الدولي، إلا أنها غالبًا ما تنطلق من نماذج اقتصادية طُوّرت في سياقات غربية تتميز بوفرة البنية التحتية واستقرار الأسواق، وهو ما قد يحدّ من قدرتها على تفسير ديناميكيات الابتكار في البيئات المقيدة، حيث لا تكون الوفرة هي نقطة البداية، بل الندرة ذاتها هي المحرك الأساسي للتصميم.
ضمن هذا الإطار، لا تهدف الأمثلة التالية إلى تمثيل شامل لكل نماذج الابتكار في المنطقة، بل تم اختيارها وفق معيار تحليلي يتمثل في قدرتها على تجسيد تحويل القيود البنيوية إلى أنظمة تشغيل خوارزمية قابلة للتوسع.
تمثل كريم مثالًا واضحًا على ذلك، حيث لم تبنِ بنية تحتية للنقل، بل أعادت تنظيم الاستخدام القائم عبر خوارزميات تربط العرض بالطلب في الزمن الحقيقي، مما أدى إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد دون زيادتها. وبالمثل، أعادت نون تعريف القيمة من خلال تدفق السلع داخل النظام، وليس من خلال إنتاجها، حيث تم بناء شبكة لوجستية رقمية تقلل الاحتكاك بين العرض والطلب، وهو ما يتقاطع مع ما تشير إليه مجموعة بوسطن الاستشارية من أن رقمنة سلاسل الإمداد يمكن أن تخفض التكاليف بنسبة تصل إلى 20 %.
وفي المجال المالي، قدمت إس تي سي باي نموذجًا يعيد تعريف العلاقة بين المستخدم والنظام المالي، من خلال تحويل الهاتف المحمول إلى منصة مالية متكاملة، وهو ما يتماشى مع بيانات البنك الدولي حول دور الحلول الرقمية في تعزيز الشمول المالي. أما فتشر، فقد حولت غياب نظام العناوين إلى نظام قائم على تحديد المواقع الجغرافية، مما يعكس كيف يمكن للقيد أن يصبح نقطة انطلاق للتصميم.
هذه الحالات لا تمثل قصص نجاح منفصلة، بل تعكس نمطًا تحليليًا يمكن صياغته ضمن ثلاث مراحل: تشخيص القيد، إعادة تعريفه، ثم ترجمته إلى نموذج خوارزمي قابل للتوسع. هذا الإطار لا يفسر فقط نجاح هذه الشركات، بل يقدم معيارًا جديدًا لتقييم الابتكار، لا يعتمد على وفرة الموارد، بل على القدرة على إعادة تنظيمها.
غير أن تحويل القيود إلى خوارزميات لا يخلو من تحديات، إذ يفتح هذا التحول أسئلة حول الخصوصية، وإمكانية ترسيخ التحيزات داخل الأنظمة الرقمية، إضافة إلى تأثير الأتمتة على سوق العمل، وهو ما يستدعي بناء أطر حوكمة تضمن أن الابتكار لا يكون فقط أكثر كفاءة، بل أكثر عدالة واستدامة.وعلى المستوى الإقليمي، تشير التحولات الرقمية المتسارعة في المملكة العربية السعودية إلى تبني واسع للحلول الرقمية في مجالات التمويل والتجارة والخدمات، بما يعكس انتقالًا فعليًا نحو نماذج قائمة على البيانات، وإن كان لا يزال بحاجة إلى تطوير أدوات قياس دقيقة تربط هذا التحول بالإنتاجية.
وفي هذا السياق الأوسع، يمكن قراءة هذه التحولات بوصفها امتدادًا لما يمكن تسميته بـ المدرسة السعودية للقيادة الواعية، التي لا تنطلق من فرضيات الوفرة، بل من فهم عميق لتوقيت القرار، وإدارة القيود، وتحويلها إلى مصادر قوة، حيث لا تسعى هذه المقاربة إلى إلغاء التعقيد، بل إلى احتوائه وإعادة توجيهه، وهو ما يتقاطع مع منطق «هندسة الابتكار الكامن» في تحويل القيود إلى أدوات تصميم.
في النهاية، لا يكمن التحول الحقيقي في التكنولوجيا ذاتها، بل في الطريقة التي يتم بها إعادة تفسير القيود. فالقيود لا تختفي مع التقدم، بل تتحول إلى أنظمة تشغيل غير مرئية تُعيد تشكيل كيفية عمل الاقتصاد من الداخل.
فالابتكار الحقيقي لا يولد من الوفرة، بل من القدرة على إعادة تعريفها،
وفي هذا التحول، لا تختفي القيود.. بل تتحول إلى خوارزميات.
غير أن السؤال الأهم لم يعد كيف نبتكر داخل القيود، بل كيف نصمم هذه القيود ذاتها، بحيث تصبح مصدرًا مستدامًا للقيمة، لا مجرد ظرف مؤقت يجب تجاوزه، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير الاقتصادي، لا تُقاس فيها القدرة بما نملك، بل بما نستطيع أن نعيد تشكيله.