صبحي شبانة
لم يعد العالم يخاف الحروب وحدها، بل بات يخاف الارتباك الذي يرافقها، ففي أزمنة مضت كانت الدول الكبرى تُدير صراعاتها عبر المؤسسات الرسمية، والدبلوماسية، والرسائل المدروسة بعناية، أما اليوم فقد أصبحت كلمة عابرة على منصة إلكترونية قادرة على هز أسواق النفط، وإرباك التحالفات العسكرية، وإشعال القلق في أكثر مناطق العالم توتراً، وهنا تحديداً تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار تاريخي غير مسبوق، ليس لأنها فقدت قوتها العسكرية أو نفوذها الاقتصادي، بل لأن صورة الإدارة الأمريكية نفسها بدأت تتعرض لتآكل بطيء ومقلق في أعين العالم، فالرئيس الأمريكي لم يعد يُنظر إليه باعتباره فقط رئيس الدولة الأقوى في العالم، بل بوصفه أحد أهم عناصر الاستقرار في النظام الدولي، وكلما ازدادت تصريحاته تناقضاً واضطراباً، انعكس ذلك مباشرة على الثقة العالمية بالسياسة الأمريكية، وعلى قدرة واشنطن في الحفاظ على صورتها التقليدية كقوة تقود العالم بوضوح وثبات، ومنذ صعود دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، بدا واضحاً أن واشنطن دخلت مرحلة مختلفة تماماً في إدارة السياسة الدولية. فالرجل الذي جاء من عالم الأعمال والإعلام نقل معه إلى البيت الأبيض أسلوباً قائماً على الصدمة والمفاجأة وكسر القوالب التقليدية. وربما نجح هذا الأسلوب في إثارة الانتباه داخلياً، لكنه في السياسة الدولية خلق حالة متزايدة من القلق والضبابية، لأن العالم لا يبحث فقط عن القوة الأمريكية، بل عن قدرتها على التصرف بعقلانية واستقرار.
لقد اعتادت الإدارات الأمريكية السابقة على تمرير الرسائل السياسية عبر مؤسسات معقدة تبدأ من وزارة الخارجية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي وتنتهي بالبيانات الرسمية الدقيقة، أما في مرحلة ترامب فقد بدا وكأن السياسة الخارجية نفسها انتقلت إلى فضاء التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت التغريدة السياسية أحياناً أكثر تأثيراً من الاجتماعات الدبلوماسية المغلقة، وفي الحقيقة فإن أخطر ما في هذا التوجه لا يتعلق بالشكل فقط، بل بالمضمون أيضاً، فحين تصبح القضايا الدولية الكبرى مرتبطة بردود فعل سريعة ومواقف متقلبة، يفقد العالم تدريجياً قدرته على فهم الاتجاه الحقيقي للسياسة الأمريكية، وفي العلاقات الدولية لا شيء يثير القلق أكثر من الغموض القادم من القوة الأعظم في العالم.
ويبدو الملف الإيراني المثال الأوضح على هذا الارتباك، ففي لحظة تعلن واشنطن اقترابها من اتفاق مع طهران، وفي لحظة أخرى ترتفع نبرة التهديد والوعيد والعقوبات، ثم تعود لغة التهدئة من جديد وكأن المنطقة كلها تتحرك داخل دائرة مغلقة من الرسائل المتناقضة، هذا التذبذب لا يربك خصوم الولايات المتحدة فقط، بل يربك حلفاءها أيضاً، لأن الجميع يحاول فهم أين تقف واشنطن فعلياً، وما إذا كانت تتجه نحو التسوية أم المواجهة، فالسياسة الدولية لا تقوم على ردود الفعل اللحظية، بل على وضوح الرؤية واستقرار الاتجاهات، والدول الكبرى لا تحافظ على نفوذها بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرتها على إقناع العالم بأنها تعرف ماذا تريد، وكيف ستتحرك، وأين تتوقف حدود التصعيد، لكن ما يحدث اليوم يشير إلى تحولات أعمق داخل الولايات المتحدة نفسها، فحالة الاستقطاب السياسي الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين لم تعد شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على صورة الدولة الأمريكية في الخارج، فالسياسة الخارجية التي كانت تُدار سابقاً باعتبارها جزءاً من المصالح العليا للدولة، أصبحت أحياناً امتداداً للصراع الحزبي الداخلي، وهو ما أفقد الخطاب الأمريكي جزءاً من توازنه التقليدي.
وفي الشرق الأوسط تبدو انعكاسات هذا المشهد أكثر خطورة وتعقيداً، فالمنطقة التي تعيش أصلاً على وقع الأزمات والصراعات المزمنة تعتمد بصورة كبيرة على وضوح التوازنات الدولية في إدارة ملفاتها الحساسة، وكلما بدت السياسة الأمريكية أكثر غموضاً، ازدادت احتمالات الفوضى وسوء التقدير، فحين تتحدث واشنطن عن قرب التوصل إلى تفاهمات مع إيران، تبدأ بعض القوى الإقليمية بإعادة حساباتها الأمنية والسياسية، لكن حين تعود لغة التصعيد والتهديد، تدخل المنطقة مجدداً في حالة ترقب وقلق، لأن الجميع يدرك أن أي مواجهة أمريكية إيرانية لن تبقى محصورة داخل حدود الدولتين، بل ستمتد آثارها إلى منطقة الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية.
لقد أدركت دول الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أن العالم يتغير، وأن الاعتماد الكامل على الموقف الأمريكي لم يعد يوفّر الطمأنينة نفسها التي كان يوفرها طيلة السنوات الماضية، ولهذا بدأت كثير من الدول في البحث عن توازنات جديدة وتنويع علاقاتها الدولية مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، ليس فقط بسبب التحولات الاقتصادية العالمية، بل أيضاً بسبب تراجع الثقة في استقرار القرار الأمريكي نفسه، وفي المقابل تدرك إيران هذه المتغيرات جيداً، وتحاول استثمارها إلى أبعد حد ممكن، فطهران تعلم أن واشنطن لم تعد تتحرك باليقين الاستراتيجي ذاته الذي كانت تتحرك به سابقاً، ولهذا تسعى إلى توسيع هامش المناورة السياسية والعسكرية، مستفيدة من التردد الأمريكي أحياناً، ومن تناقض الرسائل الأمريكية أحياناً أخرى، وهذا ما حدا بالعلاقة الأمريكية الإيرانية وكأنها تعيش داخل حالة طويلة من اللاسلم واللاحرب، فلا الولايات المتحدة قادرة على الذهاب إلى مواجهة شاملة بسبب كلفتها الباهظة، ولا إيران مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية تمس نفوذها الإقليمي بسهولة، ولهذا تستمر المواجهة عبر العقوبات والرسائل العسكرية والضغوط الاقتصادية والتصعيد الإعلامي، دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل، غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار هذا الصراع، بل فيما يتركه من آثار عميقة على صورة الولايات المتحدة نفسها، فالقوى العظمى لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتراجع حين يفقد العالم ثقته في وضوحها واستقرارها وقدرتها على القيادة.
لقد كان الحلفاء ينظرون إلى واشنطن باعتبارها مركز الثقل السياسي والعسكري في العالم، لكن السنوات الأخيرة خلقت حالة غير مسبوقة من القلق داخل كثير من العواصم الدولية، لأن السياسة الأمريكية باتت تبدو أحياناً رهينة المزاج السياسي الداخلي، وردود الفعل الإعلامية السريعة، أكثر من كونها تعبيراً عن استراتيجية طويلة المدى، وفي الداخل الأمريكي نفسه تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالاستقطاب السياسي الحاد، والانقسام المجتمعي، والصراع الإعلامي المستمر، كلها عوامل أضعفت صورة النموذج الأمريكي التقليدي الذي طالما قدّم نفسه باعتباره نموذجاً للاستقرار المؤسسي والديمقراطي، وربما تكون المفارقة الأكثر إثارة أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أقوى اقتصاد في العالم، وأضخم ترسانة عسكرية، وأوسع شبكة نفوذ دولية، لكنها في الوقت نفسه تواجه أزمة متزايدة تتعلق بصورة القيادة والمصداقية السياسية، فالقوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدول، بل بما يعتقد العالم أنها قادرة على فعله بثبات واتزان، إن أخطر ما قد تتركه فترة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس مجرد تغير السياسات، بل تغيير صورة الرئاسة الأمريكية نفسها، فحين يصبح رئيس الدولة الأكثر نفوذاً في العالم جزءاً من الضجيج اليومي لمنصات التواصل الاجتماعي، تتغير هيبة المنصب، ويتغير معه جزء من صورة الدولة الأمريكية في الوعي العالمي.
عالم اليوم لا يعيش فقط أزمة صراعات دولية، بل أزمة ثقة أيضاً، فالدول الكبرى التي كانت تصنع الطمأنينة الدولية عبر وضوح سياساتها، أصبحت هي نفسها مصدراً للقلق وعدم اليقين، وهذه ربما واحدة من أخطر التحولات التي يشهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، وفي ظل هذه الأوضاع المعقدة، يبدو العالم وكأنه يقف داخل غرفة مليئة بالمرايا المتكسرة، الجميع يرى القوة الأمريكية، لكنه لم يعد يرى اتجاهها بوضوح، والجميع يسمع التصريحات القادمة من واشنطن، لكنه لم يعد يعرف أيها يمثل القرار الحقيقي، وأيها مجرد صدى عابر في ضجيج السياسة والإعلام، وربما هنا تحديداً تكمن الأزمة الأعمق، فالعالم لا يخشى فقط صعود القوى الجديدة، بل يخشى أيضاً أن تفقد القوة القديمة قدرتها على الحكمة والاتزان، لأن اللحظة التي ترتبك فيها القيادة العالمية، تصبح فيها الفوضى أقرب من أي وقت مضى.