جانبي فروقة
في عام 1831م صعد شاب بريطاني يبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً إلى سفينة صغيرة اسمها بيغل كان قد قرأ كثيراً عن الطبيعة لكنه لم يكن يعلم أن السنوات الخمس التالية ستغير طريقة فهم البشرية للحياة نفسها فالأفكار الكبرى لم تولد في مكتبة جامعة كامبريدج بل على سواحل أمريكا الجنوبية وبين جزر غالاباغوس (القابعة في المحيط الهادئ) هناك اكتشف تشارلز داروين (عالم الطبيعة والأحياء البريطاني) حقيقة بسيطة لا تزال صالحة حتى اليوم وهي أن المعرفة تبدأ من الكتب لكن الفهم يولد من التجربة وبعد قرنين تقريباً ومع ظهور الذكاء الاصطناعي اليوم يعود السؤال نفسه بثوب جديد وهو ماذا يحدث عندما تصبح الإجابات متاحة قبل أن نعيش رحلة البحث عنها؟ إن الإنسان يستعين بالأدوات منذ فجر التاريخ وهذا ليس جديداً فالعجلة أراحت أقدامنا والكتابة حرّرت ذاكرتنا من قيد الحفظ وأما الآلة الحاسبة تولّت أمر الأرقام والعمليات الحسابية ويسمّي العلماء هذا «التفريغ المعرفي» وبمعنى آخر أن تُسلّم مهمةً ذهنية لأداةٍ خارجية تملكها أنت في الأصل وطبعا مع تطور التكنولوجيا أدى هذا إلى ظهور مصطلح جديد وهو النسيان الرقمي (Digital Amnesia) يعني أن الذاكرة تنقل جزءاً من وظائفها إلى الأجهزة لكنّ ريبيكا وينثروب (مديرة مركز التعليم العالمي في معهد بروكينغز) تقول إنّ ما يجري الآن مختلفٌ جوهرياً وعلى منصّة منتدى دافوس في يناير 2026 طرحت مصطلحاً جديداً وهو «التقزّم المعرفي» (Cognitive Stunting) حيث إن الفرق دقيقٌ لكنه حاسم فحين تستعين بآلةٍ حاسبة فأنت تُفرّغ مهارةً تملكها أمّا الطفل الذي يطلب من الروبوت أن يفكّر نيابةً عنه فهو لا يُفرّغ مهارة بل يمنع نفسه من اكتسابها من الأساس وهنا ينتقل العقل من نقطة «أملك المهارة وأستريح منها» إلى نقطة «لم أبنِها قط» وقبل سنوات قليلة فقط كان التحدي الأكبر أمام الطالب أو الباحث هو الوصول إلى المعرفة فقد كنت تبحث عن كتاب أو مرجع أو خبير يجيب عن أسئلتك.
أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى الإجابة أسهل من أي وقت مضى بضغطة زر تستطيع أن تطلب من نموذج ذكاء اصطناعي (Artificial Intelligence) أن يكتب مقالاً أو يحل مسألة رياضية أو يشرح نظرية علمية أو حتى يقترح خطة عمل كاملة لكن هنا تبدأ المفارقة فالفرق بين أن تعرف كيف تركب الدراجة وأن تقودها فعلاً هو الفرق نفسه بين امتلاك الإجابة وامتلاك الفهم فأنت يمكنك أن تحفظ كل قوانين التوازن والحركة وأن تشاهد مئة فيديو تعليمي وأن تقرأ كتاباً كاملاً عن ديناميكا الدراجة لكنك لن تتعلم الركوب قبل أن تمسك المقود بنفسك وتسقط وتحاول من جديد وبعض أنواع المعرفة لا تنتقل بالكلمات بل بالتجربة وبعض المهارات لا تنمو داخل الكتب بل داخل العقل وهو يخطئ ويصحح ويكتشف بنفسه ولهذا السبب فإن مفهوم التقزم المعرفي (Cognitive Stunting) يشير إلى احتمال حرمان العقل من التمارين الذهنية التي يحتاجها لينمو بشكل طبيعي ليس بسبب نقص المعلومات كما كان يحدث في الماضي بل بسبب وفرتها المفرطة وسهولة الحصول عليها والأمر يشبه إلى حد كبير ما وصفه عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه (Jean Piaget) عندما قال إن «الفهم الحقيقي لا يأتي من تلقي المعرفة بل من بنائها».
فالعقل لا يتطور لأنه يعرف الإجابة بل لأنه يبذل جهداً للوصول إليها وهنا تظهر إحدى أخطر مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي فالتكنولوجيا التي صُممت لتوسيع قدرات الإنسان قد تتحول أحياناً إلى بديل عن بعض العمليات الذهنية التي تصنع هذه القدرات أساساً وذلك ليس لأن الذكاء الاصطناعي سيجعل الناس أقل ذكاءً بالضرورة بل لأنه قد يقلل عدد المرات التي يضطرون فيها إلى التفكير العميق.
تخيل طالباً يطلب من نموذج لغوي (Large Language Model) تلخيص كتاب كامل فهو سيحصل على النتيجة خلال ثوانٍ لكن هل مرّ بالتجربة الفكرية نفسها التي يمر بها شخص يقرأ الكتاب صفحة صفحة؟ هل واجه الأسئلة؟ هل صارع الأفكار؟ هل اكتشف التناقضات؟ أم أنه حصل فقط على الوجهة النهائية من دون أن يخوض الرحلة! فالرحلة نفسها هي التي تبني العقل وهذا ليس رأياً فلسفياً مجرداً ففي عام 2024 أشارت مراجعات أكاديمية متعددة إلى أن الاستخدام غير الموجّه للذكاء الاصطناعي قد يرتبط بتراجع بعض مهارات التفكير النقدي (Critical Thinking) خصوصاً لدى الفئات الأصغر سناً التي تعتمد على الأدوات الرقمية في أداء المهام الذهنية الأساسية وفي المقابل أظهرت دراسات أخرى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن بيئة تعليمية مصممة جيداً يمكن أن يحسن نتائج التعلم بشكل ملموس أي أن المشكلة ليست في الأداة بل في طبيعة العلاقة معها ولعل هذا ما دفع عالم الحاسوب الأمريكي إدسغر ديكسترا (Edsger Dijkstra) إلى إطلاق تحذير يبدو أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى حين قال: «السؤال ليس ما إذا كانت الحواسيب تستطيع التفكير بل ما إذا كان البشر ما زالوا يفعلون ذلك» وتظهر هذه الإشكالية بوضوح خارج المدارس أيضاً فبعض شركات التكنولوجيا الكبرى بدأت تلاحظ ظاهرة غريبة حيث أن الموظفين الجدد أصبحوا قادرين على إنتاج تقارير وعروض تقديمية وأكواد برمجية بسرعة مذهلة بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي لكن عدداً من المديرين بدأ يطرح سؤالاً مختلفاً: هل يستطيع هؤلاء تفسير ما كتبوه إذا اختفت الأداة؟ وهل يفهمون فعلاً المنطق الكامن خلف النتائج أم أنهم أصبحوا مجرد وسطاء بين المشكلة والآلة؟ هذه ليست مشكلة إنتاجية بل مشكلة معرفة فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنحك الإجابة الصحيحة لكنه لا يستطيع أن يمنحك الخبرة التي تتكون أثناء البحث عنها وهذا يذكرنا بقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (Immanuel Kant) «العقل لا يمتلئ بالمعرفة فحسب بل يتشكل من خلال استخدامها». وربما هنا يكمن السؤال الأعمق الذي سيواجهه جيل الذكاء الاصطناعي.
إذا أصبحت المعرفة متاحة للجميع تقريباً فما الذي سيصنع الفارق بين شخص وآخر؟ هل ستكون القدرة على الوصول إلى الإجابات؟ أم القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة؟ هل ستكون سرعة الحصول على المعلومات؟ أم القدرة على تحويلها إلى فهم وحكمة وحكم سليم؟ لعل التاريخ يقدم لنا بعضا من الإجابة فعندما ظهرت الآلة الحاسبة لم تختف الرياضيات وعندما ظهر الإنترنت لم تختف المعرفة وعندما ظهرت محركات البحث لم يتوقف العلماء عن البحث لكن القيمة انتقلت في كل مرة إلى مستوى أعلى فمن الحفظ إلى الفهم ومن الوصول إلى المعلومة إلى تفسيرها ومن امتلاك المعرفة إلى القدرة على استخدامها ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان بل أن يعتاد الإنسان على استعارة ذكائه بدلاً من تنميته والعقل لا ينمو لأنه حصل على الإجابة بل لأنه مرّ بالطريق الذي قاده إليها وربما يكون يكون التحدي التربوي الأكبر في السنوات القادمة يكمن في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي ليصبح مدرباً للعقل لا بديلاً عنه وكيف نحافظ على مهارة التفكير في عصر أصبحت فيه الإجابات أرخص من أي وقت مضى وربما أن أخطر أنواع الفقر في القرن الحادي والعشرين قد لا يكون فقر المعلومات بل فقر الجهد الذهني الذي يحول المعلومات إلى فهم وأعتقد أن المشكلة ليست أن الآلة أصبحت تفكر أكثر بل أن الإنسان قد يجد راحة متزايدة في التفكير أقل.
** **
- كاتب أمريكي