أ.د.عثمان بن صالح العامر
يعد عمر بن الخطاب أحد أعظم النماذج التاريخية في توظيف الاجتهاد لخدمة مقاصد الشريعة وتحقيق مصالح الناس. فقد كان رضي الله عنه يدرك أن النصوص الشرعية ثابتة، لكن الوقائع والأحداث متغيرة، وأن الفقيه مطالب بفهم النص وفهم الواقع معًا، حتى تتحقق العدالة التي جاء بها الإسلام.
ولعل من أبرز ما يميز مدرسة عمر بن الخطاب الاجتهادية أنها لم تكن أسيرة للظاهر الشكلي للأحكام، بل كانت تنظر إلى مقاصدها وغاياتها. فعندما وقعت المجاعة المعروفة بعام الرمادة أوقف إقامة حد السرقة مؤقتًا لأن الظروف الاستثنائية دفعت بعض الناس إلى الأخذ من أموال غيرهم دفعًا للجوع والحاجة، فغلب جانب الرحمة ودرء الشبهة على التطبيق الحرفي للحكم.
كما اجتهد رضي الله عنه في قضية أراضي العراق والشام بعد الفتوحات الإسلامية، فلم يقسمها على المقاتلين كما جرى في بعض الغزوات، بل أبقاها ملكًا عامًا للأمة تنتفع بها الأجيال المتعاقبة. وكان اجتهاده قائمًا على النظر إلى المصلحة العامة ومستقبل الدولة الإسلامية، وهو ما أثبتت الأيام صوابه وأثره الكبير في استقرار الاقتصاد الإسلامي آنذاك.
ومن اجتهاداته المشهورة أيضًا تنظيم الدواوين، واعتماد التقويم الهجري، وتطوير النظم الإدارية والمالية للدولة. وهذه الأعمال لم تكن نصوصًا موروثة، بل حلولًا ابتكرها استجابة لمتطلبات عصره، انطلاقًا من روح الشريعة وأهدافها الكبرى.
إن استحضار تجربة عمر بن الخطاب اليوم ليس دعوة إلى تجاوز النصوص أو التفريط بالثوابت، وإنما هو دعوة إلى إحياء منهج الاجتهاد المنضبط الذي يجمع بين أصالة الدين ومتطلبات الواقع. فالعالم يعيش تحولات متسارعة في مجالات التقنية والاقتصاد والطب والذكاء الاصطناعي والعلاقات الاجتماعية، وهي قضايا لم تكن معروفة في العصور السابقة بالصورة التي نراها اليوم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح أبواب الاجتهاد أمام العلماء المؤهلين وأصحاب الاختصاص، للتعامل مع النوازل والقضايا المستجدة وفق منهج علمي رصين يوازن بين النص والمصلحة، وبين الثابت والمتغير. فالأمة التي أخرجت علماء مجددين عبر تاريخها قادرة على أن تقدم حلولًا شرعية معاصرة تحافظ على هويتها وتستجيب لتحديات زمنها.
لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدرسة في الشجاعة الفكرية والانضباط الشرعي في آن واحد؛ فلم يكن يخشى الاجتهاد إذا ظهرت له المصلحة، ولم يكن يتردد في مراجعة رأيه إذا تبين له الحق. وهذه الروح هي ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالتجديد الحقيقي لا يعني هدم التراث، بل استلهام أعظم ما فيه، وفي مقدمة ذلك منهج الفاروق عمر الذي جعل من الاجتهاد أداة لبناء الإنسان وتحقيق العدل وصيانة مصالح الأمة.
ويبقى الدرس الأهم من سيرة الفاروق أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وأن سر هذه الصلاحية يكمن في مرونة الاجتهاد وقدرته على مواكبة المتغيرات، ما دام منطلقًا من العلم، ومسترشدًا بالمقاصد، ومخلصًا في طلب الحق وخدمة الناس، دمتم بخير ، وإلى لقاء، والسلام