د. عبدالحق عزوزي
يرى المنظِّر الإستراتيجي كارل فون كلاوزفيتز أن أثر العبقرية القيادية، أو ما يمكن تسميته بدور كبير الإستراتيجيين، لا يتجلَّى بوضوح في المراحل الأولى للعمل أو في الأنماط المستحدثة منه بقدر ما يظهر في النتائج النهائية التي يحققها المشروع أو الجهد الإستراتيجي ككل. فالقيمة الحقيقية التي ينبغي الالتفات إليها تكمن في دقة تنفيذ الافتراضات الضمنية غير المعلنة، وفي درجة الانسجام والتكامل بين مختلف الأنشطة والإجراءات، وهي أمور لا تتكشف بصورة واضحة إلا عند بلوغ النجاح النهائي وتحقيق الأهداف المنشودة.
وبعبارة أخرى، تتجسد هذه التأثيرات في القدرة على استيعاب السياسة والإستراتيجية والتخطيط واستثمارها بوصفها محددات مترابطة ومتداخلة في صياغة السياسة الخارجية والأمن القومي. وتقوم العلاقة بين هذه المحددات على تفاعل مستمر تحكمه تعقيدات البيئة الإستراتيجية، ومستوى التهديدات الهيكلية، وطبيعة المخاوف القائمة، ومؤشرات التوقيت، فضلاً عن رؤية القيادة السياسية المتمركزة في قمة هرم السلطة وما تمتلكه من بدائل وخيارات. ومن ثم، ينبغي أن تُبنى الإستراتيجية والتخطيط على أسس فكرية ثاقبة، بعيدًا عن تأثير الاعتبارات السياسية الضيقة أو الأهواء الآنية، لأن خضوعهما لمثل هذه المؤثرات يفضي غالبًا إلى الإخفاق. كما تنظر الإستراتيجية إلى السياسة بوصفها أحد العوامل المؤثرة ضمن منظومة أشمل من المحددات الحاكمة لصنع القرار.
وفي هذا الصدد فإن النظريات في السياسات الخارجية هي أدوات منظمة ومُسيِّرة للعديد من القضايا ذات التحديات المشتركة، وتكون ذات حمولة إستراتيجية محددة المعالم والتوجهات، تساعد متخذي القرار على حصول نتائج كبيرة في سياستهم الخارجية وجعلها في منأى عن الأخطاء.
في رسالة كان قد سلمها إلى الكونجرس الأميركي في الثاني من ديسمبر 1823، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو عن «مبدأ مونرو» القاضي بضمان استقلالية كل دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي، بمعنى أنه لن يسمح بتكوين مستعمرات جديدة في الأميركتين، وقد أعطى هذا المبدأ نتائجه المرجوة.
وفي مارس 1947، أعلن الرئيس الأميركي هاري ترومان عن مبدئه القاضي بمساعدة الشعوب الحرة التي تكافح ضد الخضوع للأقليات المزوّدة بالسلاح أو الضغوط الخارجية، «لأن بذور الأنظمة الشمولية الديكتاتورية -حسب تعبير ترومان- تغذيها دائماً عوامل الفقر والحاجة»؛ وكان لمبدأ ترومان الفضل في نشر الوعي لدى الشعب الأميركي على ضرورة قبول مسؤولياته في الدفاع عن الشعوب المستضعفة.
ثم جاء مشروع مارشال في يونيو 1947، حين عيّن ترومان الجنرال جورج مارشال وزيراً لخارجيته، وأعلن عن مبدئه الهادف إلى مساعدة أوروبا اقتصاديّاً، وهذا ما حدا بوزير الخارجية السوفييتي الشهير «مولوتوف» للتصريح بأن مشروع مارشال يُعدّ نوعاً من الاستعمار الجديد.
وبموجب مشروع مارشال أنفقت أميركا ما يزيد عن 12 مليار دولار لدعم اقتصادات أوروبا، وكانت لهذا الدعم الأميركي نتائج ملموسة ليس على الاقتصاد فحسب بل وحتى على الاستقرار السياسي في الدول الأوروبية.
وفي سنة 1968، أعلن الاتحاد السوفييتي البائس عن مبدأ بريجنيف نسبة للزعيم ليونيد بريجنيف، وهذا المبدأ هو شبيه بمبدأ ترومان ولكن في الخط المعاكس، حيث يسعى إلى دعم كل التوجهات المعادية للمصالح الغربية والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول؛ وكان من نتائج ذلك، تطوير التقارب السوفييتي- الكوبي والتدخل السوفييتي في براغ سنة 1968 وغزو أفغانستان عام 1979 .
وفي سنة 1989، جسدت شهادة وفاة الحرب الباردة في مبدأ فاجأ العالم، عندما سُئل الناطق الرسمي باسم جورباتشوف، عن مدى فعالية مبدأ بريجنيف فيما يقع من موجات ديمقراطية في كل من هنغاريا وبولونيا، فأجاب الناطق الرسمي بأن المبدأ الذي يجب أن يطبق هو مبدأ «سناترا» (إشارة إلى أغنية طريقي My Way للمغني الأميركي المشهور فرانك سناترا) وليس مبدأ ريجنيف، وهذا ما ولّد موجات من الديمقراطية في أوروبا الشرقية.
إن كل هذه النظريات أو المبادئ وغيرها، التي غالباً ما كانت تأخذ أسماء مفعليها، كانت لها تأثيرات مباشرة على القضايا التي تناولتها، بل وأثرت على مجريات التاريخ لعقود عديدة.
أما في الوقت الراهن، فلا تبدو السياسة الخارجية الأمريكية محكومة بمبدأ إستراتيجي واضح ومستقر، بقدر ما تتسم بمزيج من «الانخراط الانتقائي»، مع استمرار الاستعداد للتدخل السياسي والعسكري في المناطق التي تمس المصالح الحيوية للولايات المتحدة. ويتجلَّى ذلك في تركيزها المتزايد على المنافسة مع الصين، وفي الوقت نفسه استمرار انخراطها في أزمات الشرق الأوسط.