د.محمد بن عبدالرحمن البشر
كتاب صحيح الأخبار قام بتأليفه الشيخ محمد بن عبدالله البليهد رحمه الله، وهو أديب، وشاعر، وعالم بالأماكن والبلدان، وله أشعار معروفة، وعدد من المؤلفات، وقد تمت طباعة الكتاب عدة طبعات، وأشار ابنه معالي الأخ العزيز الوفي عبدالله، في الطبعة الثانية إلى نيته إرفاق خارطة بالأماكن المذكورة في الكتاب لكن ظروف العمل، وظروف أخرى حالت دون ذلك، سبق وان قرأت الكتاب منذ سنين عديدة مضت، ثم قرأته في الفترة القريبة، ووجدت ان ما أشار إليه معالي الأخ عبدالله عين الصواب، ولا أعلم ان كان أحد قد قام بذلك، أو أن هناك من يقوم به الآن، وقد سألت أحد المختصين ان كان لديه علم بذلك، فذكر أنه لم ينم إلى علمه أن أحداً قام به، فإن كان الأمر كذلك فقد يكون من المناسب تبني مشروع كهذا مع خارطة عليها المواقع، وخطوط العرض والطول، لا سيما أن التقنية الآن تساعد في ذلك، ولدينا في المملكة شباب أكفاء ولديهم القدرة والحرص على إضافات علمية لتوثيق تاريخ الجزيرة العربية بما فيها من أماكن، والتي كانت مرتعاً لشعراء أفذاذ مثل اصحاب المعلقات، وغيرهم، وأتمنى أن يكون ذلك متاحاً حتى يعرف القارئ والباحث في العالم العربي موقع كل مكان تم ذكر في تلك الاشعار الخالدة، لاسيما أن جميع أصحاب المعلقات ما عدا امرؤ ألقيس كانوا من قلب الجزيرة العربية، مع أن امرؤ ألقيس ايضاً من الجزيرة العربية، وعاش معظم وقته يجوب في قلبها، فهو الملك الشريد، الذي لم يبلغ مناه.
من عادة الشعراء أن يتنقلوا من مكان إلى آخر، يفدون إلى الملوك والسلاطين والأمراء، والولاة، والوزراء، يمدحونهم، ويبالغون في مدحهم فيصيبون من نوالهم جزيل العطاء، وإذا لم ينل البعض منهم مبتغاه أخذ في هجاء ذلك الذي قصده على أمل أن يمنحه منحة سنية، ولهذا كثرت أسفارهم، وفي تلك الأسفار يخلدون أسماء الأماكن التي مروا بها، أو حدث لهم فيها أمر ما، وبعض أسماء تلك الأماكن قد تغير مع مرور الزمن، والبعض الآخر اندثر، وقد يندثر ما بقي معروفاً، ولهذا فإن ما قام به الشيخ محمد بن عبدالله البليهد رحمه الله بالغ الأهمية، وسبق أن تطرق لهذا الموضوع أصحاب المعاجم مثل الهمداني، والأصمعي، والحفصي اليمامي، وغيرهم، في تدويناتهم بكل ما عرفوه في وقتهم، ولم يقتصروا على ما ذكره أصحاب المعلقات، وقد غاب عنهم الكثير، كما أن بعضها لم يكن صواباً بسبب الاعتماد على السماع من الآخرين، وصعوبة الترحال والتنقل، ولهذا جاءت أهمية الكتاب.
ويجدر الإشارة إلى أن الشيخ حمد الجاسر رحمه الله قد أبدى بعض الملاحظات حول ما ذكر في كتاب صحيح الأخبار، ونشرها في بعض المجلات والصحف المحلية، ولهذا فقد يكون من المناسب لمن عزم على تحديد الأماكن ووضعها في خارطة ان يرجع إلى ذلك، ويتم للتأكد.
لقد ذكر شعراء المعلقات في شعرهم أماكن سكناهم وقبائلهم، ومواقع تواجد انتشار كل قبيلة وحدود تواجدها المتفق عليه عرفاً، ومتاح الآن في وسائل التواصل خرائط لحدود كل قبيلة، بينما حددها الشيخ محمد البليهد في كتابه صحيح الأخبار كتابة، وبوضوح تام، فقد ذكر مكان تواجد قبيلة حنيفة، وتميم، وغطفان، وربيعة، وهوازن، وأسد، وبني عامر، وبني عبد قيس، ومزينة، وغيرهم، وبعض الشعراء المشهورين قد يكونون من قبيلة واحدة ومع هذا فهم يتهاجون، ويتلاحون بأشد العبارات مثل جرير والفرزدق فكلاهما من قبيلة تميم، ووالد الفرزدق أعلى منزلة من جرير، ويتفاخر بذلك عليه، وكلاهما لم يكونا من أصحاب المعلقات، وعاشا في العصر الأموي، وشعراء المعلقات مختلفو القبائل لكنهم مع تنقلهم ذكروا آبارا وقرى في أماكن في غير حدود قبيلتهم.