يحيى جابر
لم يكن ظهور المؤتمر الصحفي والإيجاز الصحفي حدثًا عابرًا في تاريخ الإعلام، بل جاء نتيجة تطور طويل شهدته العلاقة بين المؤسسات ووسائل الإعلام والجمهور، فمع اتساع انتشار الصحف خلال القرن التاسع عشر، وازدياد تأثيرها في تشكيل الرأي العام، بدأت الحكومات والمؤسسات الكبرى تبحث عن وسائل أكثر تنظيمًا لنقل المعلومات وتوضيح المواقف الرسمية، الأمر الذي أسهم في نشوء منظومة متكاملة من أدوات الاتصال الإعلامي، من أبرزها المؤتمر الصحفي، والإيجاز الصحفي، والبيان الصحفي، والتصريح الصحفي، والإحاطة الإعلامية، والمركز الإعلامي، ويُعرّف المؤتمر الصحفي بأنه لقاء رسمي يجمع مسؤولًا أو متحدثًا رسميًا بعدد من الصحفيين وممثلي وسائل الإعلام بهدف عرض معلومات أو قرارات أو سياسات أو مستجدات معينة مع إتاحة المجال للأسئلة والاستفسارات، أما الإيجاز الصحفي فهو عرض مختصر ومركز للمعلومات يقدمه متحدث رسمي بصورة دورية أو عند وقوع حدث طارئ، ويتميز بالسرعة والوضوح واختصار الوقت، ويؤكد عدد من الباحثين في تاريخ الإعلام أن المؤتمرات الصحفية بدأت تأخذ شكلها المؤسسي الحديث في الولايات المتحدة وأوروبا خلال العقود الأولى من القرن العشرين مع توسع الصحافة اليومية وارتفاع أعداد المراسلين الصحفيين، مصدر المعلومة، «موسوعة الاتصال والإعلام، جامعة أوكسفورد، المملكة المتحدة»، كما ويُعد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون من أوائل القادة الذين اعتمدوا اللقاءات الصحفية المنتظمة مع الصحفيين بعد توليه الرئاسة عام 1913، وهو ما شكّل نقطة تحول مهمة في تاريخ العلاقة بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام، «مركز الدراسات الرئاسية، جامعة فرجينيا، الولايات المتحدة».
ومع ذلك، لا يوجد اتفاق أكاديمي كامل حول أول مؤتمر صحفي في التاريخ، إذ يرى بعض المؤرخين أن اللقاءات المفتوحة بين المسؤولين والصحفيين سبقت ذلك بسنوات طويلة، إلا أن العقدين الأولين من القرن العشرين شهدا الانتقال الحقيقي من اللقاءات العفوية إلى المؤتمرات المنظمة التي تعتمد جدول أعمال ورسائل إعلامية محددة، وتتعدد الأدوات الإعلامية المرتبطة بالمؤتمر الصحفي، ولكل منها وظيفة مختلفة، فالبيان الصحفي عبارة عن وثيقة مكتوبة تتضمن معلومات معدة للنشر الإعلامي، ويُعد من أكثر أدوات العلاقات العامة استخدامًا في العالم «الجمعية الأمريكية للعلاقات العامة».
أما التصريح الصحفي فهو تعليق أو موقف رسمي يصدر عن مسؤول أو جهة معينة بشأن قضية أو حدث محدد، بينما تمثل الإحاطة الإعلامية جلسة معلومات متخصصة، او اجتماع إعلامي مختصر لأهم الوسائل الإعلامية، تهدف إلى شرح موضوع معين للصحفيين بصورة أعمق وأكثر تفصيلًا، يتم فيها الإحاطة بشيء مهم.
كما ظهر ما يعرف بالنقطة الإعلامية، وهي لقاء إعلامي قصير يقدم خلاله المسؤول تحديثًا سريعًا لوسائل الإعلام دون الدخول في تفاصيل واسعة أو فتح المجال لعدد كبير من الأسئلة، ويُستخدم هذا النوع بكثرة في المنظمات الدولية والبطولات الرياضية والأحداث السياسية العاجلة، أما المركز الإعلامي فهو وحدة تنظيمية تُنشأ خلال المؤتمرات والقمم والفعاليات الكبرى لتوفير المعلومات والخدمات الإعلامية للصحفيين، وقد أصبحت المراكز الإعلامية عنصرًا أساسيًا في إدارة الأحداث الدولية، حيث توفر أماكن العمل والبث المباشر والمؤتمرات الصحفية والمواد الإعلامية للصحفيين القادمين من مختلف دول العالم.
ومن الناحية العلمية، ترتبط المؤتمرات والإيجازات الصحفية بعدد من النظريات الإعلامية المهمة، فقد قدم عالم الاتصال الأمريكي هارولد لاسويل عام 1948 نموذجًا شهيرًا للاتصال يقوم على خمسة أسئلة أساسية: من؟ يقول ماذا؟ وبأي وسيلة؟ ولمن؟ وبأي تأثير؟ المصدر، «جامعة ييل، الولايات المتحدة، 1948»، ويُعد هذا النموذج من أكثر النماذج استخدامًا في دراسة الاتصال الجماهيري والإعلام المؤسسي.
كما ترتبط المؤتمرات الصحفية بنظرية حارس البوابة التي وضع أسسها عالم النفس والاجتماع كورت لوين عام 1947، والتي ترى أن المعلومات لا تصل إلى الجمهور مباشرة، بل تمر عبر مراحل من الاختيار والتحرير والتقييم قبل نشرها، أو تقديمها للجماهير، وكما تفعل الصحف والوسائل الإعلامية الرزينة والرسمية أيضاً يتم استخدام هذا النمط في المؤسسات والشركات الحكومية والخاصة قبل نشر أي بيان أو إيجاز أو تقديم أي معلومة لوسائل الاعلام، المصدر، «جامعة أيوا، الولايات المتحدة، 1947». وتفسر هذه النظرية أهمية المؤتمرات الصحفية باعتبارها مصدرًا مباشرًا للمعلومات يقلل من احتمالات التشويه أو سوء الفهم.
كذلك ترتبط المؤتمرات الصحفية بنظرية وضع الأجندة الإعلامية التي قدمها الباحثان ماكسويل ماكومبس ودونالد شو عام 1972، والتي تؤكد أن وسائل الإعلام تؤثر في القضايا التي ينشغل بها الجمهور من خلال التركيز على موضوعات محددة وإبرازها بصورة متكررة، «جامعة نورث كارولاينا، الولايات المتحدة، 1972».
وتنقسم المؤتمرات الصحفية إلى أنواع متعددة، من أهمها المؤتمر الإخباري الذي يُعقد للإعلان عن خبر جديد، والمؤتمر السياسي الذي يتناول السياسات العامة والعلاقات الدولية والانتخابات، والمؤتمر الاقتصادي الخاص بالموازنات والاستثمارات والأسواق المالية، والمؤتمر الرياضي الذي يرافق البطولات والمنافسات، والمؤتمر العلمي الذي يشرح نتائج الدراسات والاكتشافات، إضافة إلى مؤتمر الأزمات الذي يُستخدم خلال الكوارث والحوادث والطوارئ.
أما الإيجازات الصحفية فتشمل الإيجاز اليومي، والإيجاز الأسبوعي، والإيجاز الطارئ، والإيجاز الأمني، والإيجاز الصحي، والإيجاز الاقتصادي، والإيجاز الخاص بالمواسم الكبرى مثل الحج والعمرة والفعاليات الدولية.
وعلى امتداد التاريخ الحديث، شهد العالم مؤتمرات صحفية كان لها أثر بالغ في مسار الأحداث الدولية، فقد لعبت المؤتمرات الصحفية دورًا مهمًا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية في نقل المعلومات العسكرية والسياسية إلى الرأي العام، المصدر «الأرشيف الوطني البريطاني»، كما برزت أهميتها خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما استخدمتها الحكومتان الأمريكية والسوفيتية لشرح مواقفهما أمام المجتمع الدولي «مكتبة جون كينيدي الرئاسية، الولايات المتحدة».
وفي المجال العلمي، حظيت المؤتمرات الصحفية الخاصة ببرنامج الفضاء الأمريكي باهتمام عالمي واسع، خصوصًا بعد نجاح رحلة الهبوط على سطح القمر عام 1969، وتشير تقديرات وكالة الفضاء الأمريكية إلى أن مئات الملايين تابعوا ذلك الحدث عبر وسائل الإعلام، مما جعله أحد أكثر الأحداث مشاهدة في القرن العشرين «وكالة الفضاء الأمريكية، الولايات المتحدة، 1969».
أما في المجال الرياضي، فقد أصبحت المؤتمرات الصحفية جزءًا لا يتجزأ من البطولات العالمية، وخلال كأس العالم لكرة القدم 2022 في دولة قطر شارك أكثر من 13 ألف إعلامي في تغطية البطولة وفق بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم، ما يعكس المكانة المتنامية للمؤتمرات الصحفية والمراكز الإعلامية في صناعة الرياضة الحديثة «الاتحاد الدولي لكرة القدم، قطر، 2022».
وخلال جائحة كورونا بين عامي 2020 و2022 برز الإيجاز الصحفي كأحد أهم أدوات إدارة الأزمات الصحية، فقد اعتمدت الحكومات ومنظمات الصحة العامة على الإيجازات اليومية لإعلان أعداد الإصابات والإجراءات الوقائية والتحديثات الطبية، وأسهم ذلك في مواجهة الشائعات وتعزيز الوعي الصحي المصدر، «منظمة الصحة العالمية، سويسرا، 2021».
وفي المملكة العربية السعودية شهد الاتصال الحكومي تطورًا ملحوظًا من خلال المؤتمرات الصحفية الحكومية الدورية والإيجازات المتخصصة، وفي عام 2020 أطلقت وزارة الإعلام المؤتمر الصحفي الحكومي الذي أصبح منصة دورية لعرض الإنجازات الوطنية والمبادرات الحكومية والإجابة عن أسئلة وسائل الإعلام «وزارة الإعلام السعودية، 2020».
كما أصبحت الإيجازات الإعلامية الخاصة بالحج نموذجًا متقدمًا في إدارة الاتصال المؤسسي وكذلك الإعلام، حيث تُقدم بصورة دورية معلومات دقيقة عن أعداد الحجاج والخطط الصحية والأمنية والتنظيمية، وقد تجاوز عدد الحجاج في موسم حج 2024 نحو 1.83 مليون حاج وفق الهيئة العامة للإحصاء السعودية، الأمر الذي أبرز أهمية الاتصال الإعلامي المنظم في إدارة الحشود والمعلومات.
ومن الناحية المهنية، تقوم المؤتمرات والإيجازات الصحفية بست وظائف رئيسة تتمثل في نقل المعلومات، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة، وإدارة الأزمات، ومكافحة الشائعات، وتوحيد الرسائل الإعلامية، ولهذا السبب تعتمد المؤسسات الكبرى على فرق متخصصة تضم خبراء اتصال ومتحدثين رسميين ومحللي بيانات ومتخصصين في العلاقات الإعلامية.
ويرى خبراء الاتصال المؤسسي أن نجاح المؤتمر الصحفي يعتمد على دقة المعلومات، ووضوح الرسائل، والاستعداد للأسئلة الصعبة، واختيار المتحدث المناسب، والوقت المناسب، وسرعة الاستجابة للأحداث، وفي المقابل، فإن أكثر أسباب فشل المؤتمرات الصحفية تتمثل في غياب الشفافية، أو تقديم معلومات متناقضة، أو التأخر في التواصل مع وسائل الإعلام، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الثقة وانتشار الشائعات، بسبب سوء التقدير وضعف الخبرة، والوعي بهذا الاتجاه الحساس.
ومع التطور المتسارع للمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت المؤتمرات والإيجازات الصحفية تُبث مباشرة إلى ملايين المشاهدين حول العالم، ولم تعد مقتصرة على الحاضرين داخل القاعة، كما بدأت المؤسسات تستخدم تقنيات تحليل البيانات والتنبؤ بالأسئلة ورصد اتجاهات الرأي العام قبل عقد المؤتمرات، مما رفع من كفاءة الاتصال الإعلامي وفاعليته.
ورغم هذا التطور التقني الهائل، ما زال العنصر البشري هو العامل الحاسم في نجاح أي مؤتمر أو إيجاز صحفي، أوغيرها من مسميات، فالمتحدث الرسمي القادر على الإقناع والتفسير وإدارة الحوار يظل حجر الأساس في بناء الثقة بين المؤسسة والجمهور، ولهذا ستبقى المؤتمرات والإيجازات الصحفية، رغم تغير الوسائل والتقنيات، واحدة من أهم أدوات صناعة الخبر وإدارة السمعة المؤسسية وتشكيل الرأي العام في العالم المعاصر، وتغذية وسائل الاعلام بالمعلومات الصحيحة والمهمة.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام