لست أدري -ولم يخطر ببالي في أشد خيالاتي جنوحا عن الطبيعة- كيف ساقتني الأقدار، أو كيف عبثت بي الأيام لأجد نفسي قابعا في هذا الكرسي موظفا في ناد رياضي!
ولو أن منجِّما أو عرَّافا تنبأ لي بهذا حين كنت على مشارف التخرج من كلية الشريعة في جامعة القصيم، لضحكت ملء شدقي وعددته من الواهمين، وإن كان لي بالأثقال سابق عهد ومجد، غير أني كنت آتي متلصصا، لا أكلم أحدا، ولا يكلمني أحد.. أقضي بعض وقتي ثم أنصرف في شؤون من الحياة شتى.
بيد أن الله شاء أن أطوي صحائف كتبي لأقرأ في صحائف الوجوه! وشاء بعلمه الأزلي أن أكون مراقبا يرقب الرائح والغادي في هذا النادي الرياضي، وهنا -ويا لهول ما هنا- انقشعت عن عيني حوائل الضباب، ورأيت من عجائب الخلق وغرائب الطباع ما يحسدني عليه علماء النفس والاجتماع.
تتنوع مهامي في هذه الوظيفة ولا تنحصر، فقد أحمل معي أحيانا الزائر الجديد بادئ الأمر لأطوف به حول النادي وأريه ما فيه من مزايا وخدمات، وأول ما أفعله: دراسة الدافع المستتر خلف قدومه؛ لأشرح له الواضحات وأفصل في المبهمات وهو ينظر إليَّ بعين الريبة تارة وعين الطمع تارة أخرى، وقد خرجت من هذه الجولات بحقيقة ثابتة هي أني أحترف التسويق والإقناع، وفي هذه الجولات رأيت من العجب ما ينسيني التعب وسمعت من الأسئلة والاستفسارات ما لو طرح بعضه على أكبر العقول لأحالته إلى الهلوسة والجنون.
ولكن حديثي اليوم ليس عنها، وليس عن كوني شاهدا على ظاهرة من أغرب ظواهر التاريخ البشري، حيث لم يُعرف منذ بدء الخليقة مخلوق يدفع الأموال وعرق الجبين ليرفع أشياء ثقيلة ثم يعيدها إلى المكان ذاته دون أن ينجز أي فائدة بشرية.
ولن أحدثك أيضا عن ذلك الذي يظن أني حكمٌ دوليٌ في «مستر أولوبيا» فيأتيني في كل يوم وليلة والعرق يتصبب منه، وأثر التمارين باد على عضلاته (بمب) ويقوم بحركة استعراضية غريبة ويقول: بالله عليك.. كيف؟
ولن أذكر لك من يأتي هروبا من وحدته، أو أرقه.. أو زوجته، وإنما أحدثك عن كائنات هذا النادي الرياضي، وأطوار تكوين أفراده التي رأيتها متدربا ومشرفا وهي مطردة ثابتة ستجدها ما وجدت النوادي الرياضية..
ومن أوائل تلك الأصناف التي ستقابلك صنف «فقهاء الحديد»:
فإذا كنت تفتقر في أي علم إلى شهادة أو إجازة، فإن كل من ارتاد صالة الحديد هو عالم من علماء التشريح العضلي! ولعل هذا أعجب ما تجده، فالمدربون أنفسهم لا يعرفون ماذا يريدون، ولا يستقر لهم رأي في صغيرة ولا كبيرة، ومن بعدهم عامة المتدربين، كل شيخ نفسه وكل له قوله ورأيه.
وأنت أيها المسكين أثناء تدريبك الشاق يأتيك الناصح الأمين ليخبرك ألَّا شك في صحة تدريبك وسلامة تكنيكك وفي الوقت ذاته يأتيك آخر ليخبرك أن زاوية انحناء خصرك مائلة أشد الميلان، وأنه يعجب كيف أنك لم تصب حتى الآن! ثم يقسم لك بأغلظ الأيمان أن تمرينك بهذه الصورة سيؤدي إلى شلل رباعي..
ومن رواده: «فقمة الماء» وهو كائن برمائي، غريب الأطوار، لم يشترك في النادي ليرفع الأثقال، ولا ليجري الأميال.. لا يأبه بالمدربين ولا بالمتدربين، كلما صعدت إلى الطابق الأخير وجدته قابعا بين المياه المغلية، يقضي كل يومه فيها! تراه دوما هناك في نشوة صوفية غريبة، لا تعرف طوله من عدمه لأنك لم تر منه غير رأسه، لا أحد يعلم متى يأتي ولا متى يغادر.. إن حاولت الحديث معه لتنصحه عن أضرار الجاكوزي الحار وكيف أنه يؤثر على خصوبته الليلية غطس في المياه وتركك وحدك حتى تنصرف!
ومنهم «المستوطن» وهذا من الأصناف ثقيلة الظل كثيرة الوجود، يتعامل مع الجهاز الرياضي مثل إرث عائلي أو عقار مسجل، العزاء لك إن قدمت يوما ثم عرفت أن هذا المخلوق السخيف يماثلك في طبيعة التمارين، لأنك ستراه عاكفا بين الأجهزة، متخذها مقاعد للجلوس! يتصفح هاتفه، يرد على المكالمات، ينهي بعض الصفقات التجارية، يراقب البورصة العالمية، الأحداث السياسية، نتائج دوري الهوكي الأمريكي.. ثم إذا تجرأت وسألته: كم بقي لك؟
أجابك باقتضاب: آخر جولة!
ومنهم «المستحنك» وهو ليس مدربا -ولا يمتلك جسد المدربين- يقف في الزوايا يراقب الناس، بين الحين والآخر يهز رأسه أسفا وإشفاقا ويتمتم بصوت مسموع: «تكنيكه خاطئ.. سيدمر كتفه».
«كوعه مائل.. إصابة حتمية».
يتدخل في عمل المدربين، لا يحدث جلبة ولا ضوضاء ويكتفي ببث الرعب في نفوس المتدربين بتمتمته الغريبة، هو المرجع الخفي، والعلامة المغمور..
ومنهم «أنكر الأصوات» فإن قدمت إلى الصالة وسمعت الحنحنه ثم الصراخ ثم التأوهات فلا تظن أن مكروها قد وقع، فهذا صاحبنا يحاول كسر وزن جديد في بعض التمارين، وهو مختلف عن غيره من البشر في مشيته وهيئته وتصرفاته، لا يتمرن مثل غيره من الناس، يسبق تمرينه تمهيد صوتي غريب ثم تأوهات مكتومة.. يزفر ويشهق مع كل عدة، حتى يصل إلى ذروة الفشل العضلي ليطلق صيحته المنكرة ثم يرمي الأوزان بصورة تثير الجلبة والضجيج! هو هكذا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنهم «ذو المآرب الأخرى» وهذا أخف الأنواع وأشدها طرافة، وهو رجل لا يعنيه تناسق الجسم، ولا لياقة القلب، وإنما أتى ليركز تركيزا مريبا على تمارين بعينها، أسفل الظهر، الكيجل، تقوية الحوض، القلوتس، الكور. يؤديها بحماس منقطع النظير وابتسامة خبيثة بين الحين والآخر، غايته تبرر وسيلته ونظراته تقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
وهكذا عشت أصارع النوائب وأصاول الخطوب وعلى ما في هذه الصروح من عجائب وغرائب غير أني وجدت أنها المكان الوحيد في بلادنا الذي تذوب معه الفوارق الاجتماعية، كما تذوب علامات الاغتراب، ففي الشارع أنت أسير وجهتك، وفي المقهى أسير طاولتك، وقد رأينا من يعد مشاركة الحديث في المقاهي تطفلا ممجوجا! أما في النادي الرياضي فما إن يسألك أحدهم: كم بقي لك من جولة؟ حتى تترابط بينكما أواصر المعارف، فتعرف اسمه، وعمله، وماذا وضعت له أم صالح على غداء اليوم، وكيف أن لبن القرية أثر على أدائه هذا المساء.
وهكذا أيها الأصدقاء فإن الإنسان الذي قضى آلاف السنين يخترع ما يوفر عليه الجهد الشاق والتعب الشديد هو نفسه الذي اخترع هذه الآلات بعد أن طال كل وسائل الراحة والرفاهية، وهكذا عملت وهذا بعض ما رأيت.. وفي كل يوم وليلة يتاح لي اكتشاف أصناف متنوعة وجديدة، فقل لي بربك كيف لا أكتب؟ وقل لي أي كاتب أو أديب يملك موردا خصبا يقارب هذا الواقع العبثي الذي أعيشه؟
** **
- حمد الخطيب