د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
هذا مثل شائع في الجزيرة العربية يردده كثير من الناس ويجهل بعضهم قصته، وأنا كنت منهم، ثم سمعت مرة زميلي الدكتور محمد السديس -رحمه الله- يذكر المثل ويقول إن (وُنَيّان) اسم رجل، فخالفته في ذلك، وقلت له بل وصف للمتواني؛ فالمعنى فاتت عليك الفرصة أيّها المتواني، وقبل مني قولي؛ لأنه لم يكن يعرف قصة المثل، ولكني سمعت بعدئذٍ تسجيلًا للراوية عبدالرحمن بن سعود المرشدي ذكر فيه المثل وقصته وأن ونيّانًا هذا خويّ للإمام عبدالله بن سعود، قال في أحد أشرطة (من تاريخ وقصص الآباء والأجداد): «وعقب يومين من استسلام الامام عبدالله بن سعود لإبراهيم باشا أمر ابراهيم باشا على رشوان آغا والدّويدار ومعهم عسكرهم، وشالوا الامام عبدالله بن سعود، وراحوا به يمّ [إلى] مصر، ومعه أربعه من رجاله حديهم [أحدهم] واحد اسمه ونيّان، اللّي يوم [فلمّا] مشوا بهم العسكر وتعدّوا الرس، وصاروا بين ابان الحَمَر وابان الَاسْود وقام الإمام عبدالله يصلي بهم صلاة العشاء، وكان يقرا [قرأ] سورة القيامة، ويوم قرا [ولمّا قرأ] الآيه العاشره من السوره، قول الله سبحانه وتعالى {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ}[10: القيامة] قْبُلُه [فورًا] قال ونيان: (أبان الحَمَر). العسكر المصريين الطغم الدراويش يحسبون قول ونيّان من القران الكريم، وونيّان يبي [يريد] الامام عبدالله إذا سجد وسجدوا وراه المصريين يهجّ، وهم ساجدين، ويزبن ضلع ابان الحمر. ومن يبي يلقاه بها الليل؟ وضلع ابان الحمر به ماء ونخل وبدو، يقدر يعيش به لوقت لو زبن يمّه [إليه]؛ لكن الامام عبدالله ما جات على باله، وما عرف الغطوه، أجْوِدي، على نيته، فاتت عليه، ويوم جا باكر علّم ونيان الإمام باللغز والقصد، قال الإمام عبدالله: (فاتت يا ونيّان)».
هذه الرواية المشهورة بقيت في ذهني حتى قرأت في كتاب (بلدة البرود) القصة مختلفة قال «وفي طريقهم من الدرعية إلى مصر طلب عبد الله بن سعود وونيّان فكّ قيديهما لقضاء حاجتهما في أحد المواضع، وكان ونيّان وعبد الله ليسا بعيدين عن بعضهما، فقال ونيّان للإمام عبد الله بصوت خافت منبهًا له: كنا يا طويل العمر إذا ضيقنا الخناق على الوعول تلجأ إلى الجبال. فلم ينتبه الإمام عبد الله للمقصود من هذا الكلام، فرجعا إلى أسرهما، وبعد فترة قصيرة تنبّه الإمام عبد الله لما كان يقصده صاحبه ونيّان، فقال الجملة المشهورة التي أصبحت مثلًا يقال في الأمر الذي لا ينتبه له إلا بعد فوات الأوان: (فاتت يا ونيّان). سمعتها من عدة رجال كبار السن ومن قبائل مختلفة، فاستفسرت عن معنى المثل فسرد لي أكثر من شخص القصة منسوبة إلى (ونيان بن نصر الحربي) مع عبد الله بن سعود»(1).
ورأيت أن أتحقق من الأمر، فبحثت عن المثل في (الأمثال العامية في نجد للعبودي) فلم أجده، ووجدته في «الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب لعبدالكريم الجهيمان، رقم المثل (4069)، ج5 ص43، ولكن كلامه كان عامًّا فلم يذكر القصة ولا أبطالها.
ووجدت العلامة محمد بن ناصر العبودي عرض لقصة هذا المثل قبل العلامة حمد الجاسر، فذكر أن قولهم (إلى أبان الحمر) ارتبط بقصتين الأولى عن قرناس(2) وأخرى عن الإمام عبدالله بن سعود، ففيها قولان: أولهما «قيل إن إبراهيم باشا لما احتل الدرعية أخذ يقبض هو وأعوانه على كبار رجالات نجد، ولم ينج منه إلا من اختفى، وقد بلغ ذلك الشيخ قرناس بن عبد الرحمن قاضي مدينة الرس وشيخها، وكان أحد زعماء الرس الذين قاوموا إبراهيم باشا وأخّروا زحفه على الدرعية لمدة أربعة شهور. فأخذ الشيخ يتخوف من أن يعتقله إبراهيم باشا ويؤذيه؛ ولكنه لم يدر ماذا يفعل، وبينما كان يصلي بالناس صلاة الفجر قرأ مصادفة الآية الكريمة: {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ}[10: القيامة]، وخطر بباله ما عليه الحال، فأخذ يكررها، فإذا بأحد الداخلين يسمع ذلك، فقال قبل أن يدخل في صلاته: إلى أبان الحمر(3)! أي المفر إلى أبان الأحمر (الأبيض قديمًا). قالوا: فلمّا سلّم من صلاته استعاد من الرجل كلمته فأعادها على مسمعه، فالتجأ إلى مكان حصين، ولم يخرج منه حتى رحل إبراهيم باشا عن نجد، ويقال: إن المكان الذي التجأ إليه هو (النمرية) في (أبان الأسود).
وثانيهما: يقال إن الإمام عبد الله بن سعود، رحمه الله، بعد أن قبض عليه إبراهيم باشا، وأرسله وبعض حاشيته مع سرية من سراياه القوية لكي توصله إلى مصر ثم إلى إسطمبول كما حدث فعلًا. كانوا يمرون في طريقهم إلى المدينة بأبان الأحمر في آخر سنة 1233هـ وكان الوقت ليلًا وكان مع الإمام عبدالله بن سعود أحد رجال حاشيته المخلصين، ويدعى: ونيّان، فقال، كأنه يحدث الإمام عبد الله ورفقته أحاديث السفر المعتادة: يا إخواني: إنني قبل سنوات كنت مارًّا بأبان الأحمر، هذا الذي عن يسارنا ف رأيت قطيعًا من الوعول، فأطلقت نار بندقيتي على أحدها فجرحته جرحًا بليغًا بدليل أثر الدماء التي رأيتها على الأرض، فاتبعته؛ ولكنه لجأ إلى أبان الأحمر، ودخلت الجبل خلفه، فدهشت لسعته، وصعوبة مداخله، ومناعة من يلتجئ إليه، إذ إني لم أستطع الاهتداء إلى الوعل الجريح بعد أن دخل في شعاب (أبان). وكان بذلك يوحي بفكرة الالتجاء إلى أبان الأحمر إلى الإمام عبد الله بن سعود؛ ولكن الإمام لم ينتبه إلى ذلك، ولا يستطيع (ونيان) هذا أن يفصح عن قصده خوفًا من الحراس والجنود المرافقين لهما من الأعداء. قالوا: فلما ابتعد الإمام عبد الله بن سعود عن جبل (أبان) بحيث لا يمكنه الالتجاء إليه ذكر ما كان يرمي إليه ونيان، من إلقاء قصة الوعل الجريح على مسامعه؛ ولكنه لا يمكنه فعل ذلك، فقال مخاطبًا الرجل حاشيته الأمين: (فاتت يا ونيان)! فأصبح قوله ذلك مثلًا سائرًا في أهل نجد، يقولون للأمر الذي لا يمكن تدارکه: (فاتت يا ونيان)»(4). وما زال اسم (ونيان) مستعملًا في الجزيرة، جاء في معجم أسماء الناس «وْنَيَّان أي وُنَيَّان، مرتجل من التواني أي ذو الونى وهو البطء في العمل مثل ونيّ، انظر: ونيّ. وجاء في المثل الشعبي (فاتت يا ونيّان)»(5).
**__**__**__**__**__**
(1) (بلدة البرود، ط1، 1420ه/ 2000م) للعلامة حمد الجاسر، ص309-310.
(2) قال العبودي «الشيخ الكبير الشجاع قرناس بن عبد الرحمن بن علي، من القرناس الذي هم من آل أبا الحصين أهل الرس القدماء وأمراؤه، نقلت نسبه هذا من خط يده في إجازة الشيخ سليمان بن على بن مقبل قاضي بريدة مؤرخة في عام 1257ه. مات الشيخ قرناس عام 1262ه».
(3) في اللغة المحكية في الجزيرة يحذفون الهمزة من (الأفعل) تخفيفًا، مثل: الأحمر) الحَمر، والأعمى) والعمى نقلوا فتحة الهمزة إلى فاء الاسم، وربما حذفوا بنقل الفتحة إلى لام التعريف، مثل الأبيض) الَابْيض، الأطرم) الَاطْرم.
(4) معجم بلاد القصيم لمحمد بن ناصر العبودي، ط2، 1410ه/1990م. ج1 ص236.
(5) معجم أسماء الناس في المملكة العربية السعودية لأبي أوس إبراهيم الشمسان، ص928.