أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
كلما تقدّم الإنسان في العمر، ازداد قناعةً بأن أجمل ما مرّ عليه في هذه الحياة تلك الأيام البسيطة التي عبرها قديمًا دون أن ينتبه إلى قيمتها، أيام الطفولة مثلًا، كانت تمضي بخفة عجيبة، وكأن الحياة يومها أقل تعقيدًا وازدحامًا، وأقرب إلى القلب.
أتأمل أحيانًا تلك المرحلة فأشعر بدهشة حقيقية؛ كيف كنا نفرح بكل هذا الصدق؟ وكيف كانت الأشياء الصغيرة قادرة على صناعة كل تلك السعادة؟ لعبة بسيطة، أو مساء يجتمع فيه الأصدقاء، أو رحلة قصيرة، أو قطعة حلوى، كانت كافية لأن تجعل اليوم ممتلئًا بالبهجة، لم نكن نفكر كثيرًا فيما سيأتي، ولم تكن الحياة تحمل ذلك الثقل الذي نحمله اليوم فوق أرواحنا، كنا نعيش اللحظة كما هي، وهذه أعظم نعمة لا ينتبه إليها الإنسان إلا متأخرًا.
الطفل لا يفكر في المستقبل، ولا يرهقه القلق، ولا ينشغل كثيرًا بصورة الناس عنه، ولا يدخل في تلك المعارك الداخلية التي يكتشفها الإنسان حين يكبر، كان العالم يبدو بسيطًا وواضحًا، وكانت الروح تتحرك بعفوية كاملة، دون هذا الحذر الذي يتسلل إلينا مع الأيام، ثم يكبر الإنسان قليلًا، ويبدأ الوعي بالتشكل داخله شيئًا فشيئًا، يكتشف أن الحياة ليست بالبساطة التي كان يظنها، وأن البشر يتغيرون، وأن الطرق لا تبقى مزدحمة بالوجوه نفسها، وأن كثيرًا من الأشياء الجميلة مؤقتة بطبيعتها، وهنا تبدأ المسافة بين الإنسان وبين تلك النسخة القديمة من نفسه.
لعل من أثقل ما يمنحه الوعي للإنسان أنه يجعله يفكر أكثر مما ينبغي، يبدأ في تحليل كل شيء، وتأمل كل شيء، والخوف من أشياء كثيرة لم يكن يشعر بوجودها أصلًا، حتى الفرح نفسه يصبح أقل خفة؛ لأن العقل يظل حاضرًا بأسئلته ومخاوفه واحتمالاته؛ لهذا يحنّ الإنسان إلى طفولته غالبًا، لأنها كانت مرحلة خالية من هذا الثقل الداخلي.
أشتاق دومًا إلى تلك الأيام التي كنا ننام فيها دون قلق، ونستيقظ دون خطط معقدة، ونقضي ساعات طويلة في الضحك والكلام والألعاب، ثم ينتهي اليوم ببساطة كاملة، لم تكن أرواحنا مزدحمة، ولم تكن الحياة قد كشفت لنا عن وجهها القاسي بعد، حتى العلاقات يومها كانت أنقى، كنا نحب الناس بعفوية، ونغضب بسرعة، ثم ننسى بسرعة، ولا نحمل داخلنا ذلك التراكم الطويل من الخيبات والحذر والتجارب الثقيلة، أما الآن فقد صار الإنسان أكثر انتباهًا، وأكثر تحفظًا، وأكثر خوفًا من التعلق، ومن الخسارة، ومن التغير.
ومع ذلك يبقى في الذاكرة شيء جميل يجعل الماضي حاضرًا دائمًا، بعض الأماكن القديمة ما تزال قادرة على إرباك القلب، وبعض الروائح تعيد أعمارًا كاملة دفعة واحدة، وبعض الأغاني تحمل الإنسان إلى سنوات بعيدة دون استئذان، حتى الصور القديمة صارت أبوابًا واسعة يدخل منها الحنين بكل ثقله.
أحيانًا أنظر إلى صورة قديمة، فأشعر أن الأشخاص الذين فيها كانوا أخفّ روحًا، وأكثر طمأنينة، وأكثر قدرة على الحياة؛ ربما لأنهم لم يكونوا يعرفون بعد كل ما سيأتي لاحقًا، فالوعي رغم أهميته يحمل شيئًا من القسوة، إنه يفتح أعيننا على حقائق كثيرة، لكنه يسلب منا في المقابل تلك الطمأنينة الأولى التي كانت تجعل الحياة أبسط وأجمل؛ ولهذا يبدو الماضي في الذاكرة أكثر دفئًا؛ لأننا نتذكر أنفسنا القديمة أيضًا، نتذكر كيف كنا ننظر إلى الحياة، وكيف كانت قلوبنا أخفّ، وكيف كانت الأيام تمرّ دون هذا التعب الطويل الذي يسكن الإنسان حين يكبر.
وربما لهذا السبب كلما ضاقت الحياة، عاد الإنسان إلى ماضيه، كأنه يبحث هناك عن جزء مفقود من روحه، يعود إلى بيت قديم، أو شارع قديم، أو صديق قديم، أو حتى إلى ذكرى عابرة، فقط ليشعر للحظة واحدة أن الحياة كانت يومًا أكثر رحمة، وأن القلب عرف زمنًا كان يمشي فيه مطمئنًا، دون كل هذا الوعي الذي أثقل أرواحنا مع العمر.