د.عبدالإله آل سودا
«الرأي/آراء» من الكلمات الذائعة في عديد من المجالات المعرفية، فضلاً عن التداول العام والحديث اليومي الذي لا يكاد يخلو فيه يومُ إنسان من أنْ يسمع كلمة «رأي/آراء» أو يَنطقها. وأستحضر هنا مقولة: «من أصعب الصعوبات توضيح الواضحات» إذ من المفارقة أننا حين نريد إيضاح مدلول كلمة «رأي» نجد أنّ الدلالة العامة لكلمة «رأي» واضحةٌ للجميع، ولكن من الصعب تحديد معناها بدقة في سياقات معينة، أو تخصصات علمية محددة.
وربما كان التعريف الأنسب الذي يُرضي الأغلبية هو أن الرأي يُعرّف بأنه «اعتقادُ النفس أحد النقيضين عن غلبة ظن». على أن هذا التعريف لا يَشمل ما إذا كان يوجد مجالاتٌ متعددة للرأي؛ فاختار منها صاحبُ الرأي مجالاً واحدًا ليعتقده.
وعلى كُلٍّ؛ فالحديث هنا يتمحور حول خطأٍ شائع، أجدُه منتشرًا في كثيرٍ من حواراتنا، لاسيما تلك الحوارات الرسمية التي يُتداول فيها الرأي على نحوٍ واسع، ألا وهي كلمة «مرئيات»، حيث تُطلَق ليراد بها معنى الرأي. والصواب أن «مرئي/مرئيات» لا تُفيدُ معنى الرأي، إلا في حال تَكلُّف المجاز، فـ«المرئي»، هو الشيء الذي يقع عليه البصر مباشرة، تماماً كما يقال: «مُشاهَد» وجمعه «مُشاهَدات». ولهذا فإن لفظ «المرئيات» يرتبط بالأشياء المحسوسة أو المحتوى البصري، أو هو كل ما يدخل في نطاق الرؤية الفيزيائية المباشرة. وأين هذا من التعريف السابق الذي يشير إلى اعتقاد أحد النقيضين؟!
ولكي أقرّب المعنى للقارئ؛ أمثّل بهذا المثال:
«توفر بيانات منظمة الصحة مرئياتٍ قيّمةً عن كيفية التعامل مع الجائحة»
وتصويب هذا المثال كالآتي:
«توفر بيانات منظمة الصحة آراءً قيّمة عن كيفية التعامل مع الجائحة؟
وقد يبدو الفرق بين «مرئيات» و«آراء» يسيراً للوهلة الأولى، غير أن المسافة الدلالية بينهما واسعة؛ إذ هي المسافة نفسها بين ما تراه العين، وما يدركه العقل.
ولدينا أيضًا كلمة ثالثة تُضاف إلى «رأي ومرئي» وهي كلمة «رؤى» التي مفردها «رؤية» و«رؤيا»، وكلتاهما ترجعان إلى الفعل: «رأى يرى رأياً ورؤيةً ورؤيا». غير أن الاستعمال العربي فرّق بينهما في الدلالة. فـ«الرؤيا» تختص بما يراه النائم في أحلامه، أما «الرؤية» فتدل على ما تُبصره العينُ الحقيقية. إلا أنّ معناها تطوّر في العربية المعاصرة لتدل على الرأي البصير المدروس القائم على التحليل والاستقراء، فحين أقول: «إن رؤيتي هي كذا وكذا» أعني رأيي المدروس، ولكن حين أريد تقديم رأي انطباعي ظني سأقول: «إن رأيي هو كذا وكذا».
وفضًلا عن هذا، يُرصدُ أنّ كلمة «رؤية» في صيغة المفرد، أصبحت في عصرنا تُستعمل للدلالة على «الخطة المستقبلية الكبرى» أو التصور الاستراتيجي بعيد المدى، ولهذا شاع في الخطابات الإدارية والسياسية استعمال تعبيرات مثل: «الرؤية الاستراتيجية» و«رؤية المؤسسة» و«رؤية المملكة».
ومن هنا يتضح الخلل في العبارة السابقة؛ ذلك أنّ بيانات «منظمة الصحة» لا تمنحنا أشياء تقع عليها أبصارنا، ولا تقدم لنا مَحْضَ رسوم وأشكال مرئية، بل تتيح استنتاجات وتحليلات وفهماً عميقاً لكيفية التعامل مع الجائحة. إنها توفّر استبصاراً وتحليلاً قائماً على القراءة والفهم، ولذلك يكون استعمال «رؤى» هو التعبير الأدق، لا «مرئيات».
غير أنّ قضية لغوية أعمق تَبرز لنا في هذا الصدد، وهي الفروق اللغوية الدقيقة بين المصطلحات في الكتابة المعاصرة، خاصة بين «الرؤى» و«الآراء». فمن الناحية اللغوية يصح أن يُقال: «توفر بيانات منظمة الصحة آراءً قيّمة»، غير أن هذا الاستعمال يظل أقل دقة في السياقات التحليلية الحديثة. ذلك أن الأدبيات الإدارية والبحثية المعاصرة طفقتْ تمنح كل لفظ مجالَه الدلالي الخاص.
فكلمة «رؤية/رؤى» لم تعد مجرد مرادف لكلمة «رأي»، بل أصبحت تشير إلى الفهم التحليلي العميق أو الاستنتاج القائم على القراءة والاستقراء والتخطيط، وهو ما يقابل في الإنجليزية مصطلح Insights . أما إذا استُعملت «رؤية» بصيغة المفرد للدلالة على التصور الاستراتيجي المستقبلي، فإن المقابل الأقرب لها هو Vision.
أمّا كلمة «رأي/آراء» فتدل غالباً على وجهة النظر الفردية أو الانطباع الشخصي القريب من التقدير الذاتي، ويقابلها في الإنجليزية Opinion.
إذن؛ فالرؤية تتضمن بعداً تحليلياً أو استشرافياً سواءٌ صَدَرَتْ من فرد Insight أو من جماعة Vision ، في حين يبقى الرأي Opinion في حدود الموقف الشخصي أو الانطباع الذاتي الفردي.
ومن هنا تبرز أهمية المحافظة على هذا التفريق في الكتابة العربية الحديثة، لا سيما في لغة الإدارة والبحث والتحليل. فإذا أريدَ التعبيرُ عن الرأي الفردي(الظني)؛ فالأصوب هو استعمال كلمة «رأي» وجمعها «آراء» لا «رؤى». وإذا أريد التعبير عن الرأي المُحَـرَّر المبني على الفهم المدروس؛ فتُستعمل«رؤية/رؤى». أما معنى الخطة المستقبلية المتصوّرَة؛ فتؤديها وتُعبر عنها ك لمة «رؤية» في صيغة المفرد. وتحديدُ هذه الفروقات اللغوية أراه ضروريًا لضبط لغتنا المعاصرة، والحفاظ على الدقة المصطلحية، لكي نمنح لغتنا العربية فرصتَها التي عبّرتْ هي بلسانها عنها بقولها:
«أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ
فهل ساءلوا الغواصَ عن صدفاتي»؟