علي حسين (السعلي)
سأسرد على حضراتكم حكايتين كنتُ فيهما مشاركًا حينًا وضيفًا حينًا آخر.
الحكاية الأولى
اتصلت بي إحدى الفاضلات للتنسيق بشأن مشاركتي في إحدى فعالياتهم، فرحّبت وأبديت استعدادي واهتمامي، وسألتها بأدب، وبشيء من الخبث الإعلامي: هل تتضمن المشاركة دعمًا؟ لم يصلني جواب، فتركت الأمر جانبًا؛ حبًا في المشاركة وحرصًا عليها، خصوصًا في مجتمع حيوي ونخبوي ثقافي وأدبي مثل جدة.
وحين حضرت، لم أجد في المقهى الثقافي أحدًا سوى صديقي المرافق لي. وقبل أن أنسى، فإن الشريك الأدبي لم يُعلن عن الأمسية إلا قبل موعدها بليلة واحدة.
لم أهتم كثيرًا، ودخلنا المكان، فإذا بالفعالية تقام في زاوية داخلية بالكاد تُرى، وكأنها مستودع لأثاث قديم فائض عن الحاجة. وهناك التقيت سيدتين لطيفتين؛ إحداهما منسقة الشريك الأدبي، والأخرى مديرة الأمسية.
وعندما حان موعد البداية، اتجهت المديرة إلى مجموعة من الشباب الذين كانوا يحتسون القهوة ويتبادلون أطراف الحديث، محاولةً تشجيعهم على حضور الأمسية.
وبصراحة، كان الحضور محدودًا إلى حدٍّ محرج. ألقيت ما لدي من نصوص أمام صديقي والسيدتين، وأمام رجل كريم جاء من أقصى المقهى وجلس مستمعًا. أما أولئك الشباب فقد غادروا المكان، بينما كنت أكتم ضحكةً اختلط فيها الاستغراب بالطرافة.
الحكاية الثانية
أيضًا في جدة العروس، وفي مقهى كبير يقع بجوار سوق للملابس النسائية، حضرت أنا وصاحبي الذي كان هذه المرة مشاركًا معي في أمسية شعرية.
كان المكان جميلًا بحق، غير أن موقع الأمسية كان في طابق علوي يتطلب صعود درج طويل. قلت في نفسي: لا بأس، فالمهم أن يكون الحضور في مستوى جمال المكان.
وحين دخلنا وجدنا أحد العاملين في المقهى يجرّب الميكروفون، فابتسمت وانتظرنا طويلًا على أمل أن يتوافد الحضور. والحمد لله، حضر مهندس فاضل شارك بمداخلة اتسمت بحس أدبي وثقافي رفيع، وكان متفاعلًا مع كل نص ألقيته أنا وصاحبي، حتى بدا وكأنه الجمهور كله في شخص واحد.
العجيب أن التجربتين، رغم اختلاف المكانين، اتفقتا في شيء واحد: قلة الحضور، وغياب أبسط مظاهر التقدير المعنوي؛ فلا شهادة شكر، ولا لفتة تقديرية، ولا دعم مادي أو معنوي.
في الأندية الأدبية سابقًا، وفي الجمعيات الثقافية حاليًا، كنا وما زلنا نجد حفاوة في الاستقبال وتنظيمًا وحضورًا يليق بالضيف والمشارك.
وهنا يبرز السؤال: أين تكمن المشكلة؟
لا شك أن مشروع الشريك الأدبي والمقاهي الثقافية مشروع مهم وحيوي وعصري، ويسهم في نشر الثقافة وتقريبها من المجتمع، لكن ما زالت هناك تحديات واضحة، في مقدمتها ضعف الحضور الجماهيري، وضعف الترويج للفعاليات، وعدم توفير البيئة التي تمنح الضيف والمشارك التقدير الذي يستحقه.
فهل المشكلة في الفكرة نفسها، أم في آليات تنفيذها وتسويقها؟
هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح.