أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
في تاريخ الفن العربي هناك أسماءٌ صنعت النجاح، وبلغت قمة المجد، لكن قلة نادرة استطاعت أن تتحول مع مرور الزمن إلى ظاهرة تتجاوز حدود الفن لتصبح جزءاً من وعي الأمة وتاريخها، وفي مقدمة هؤلاء يقف الفنان «محمد عبده» ليمثّل مشروعاً حضارياً وثقافياً وفنياً امتد لأكثر من نصف قرن، استطاع خلاله أن يصوغ ملامح مرحلة كاملة من الذائقة العربية، وأن يحول الأغنية الخليجية من فن محلي محدود الانتشار إلى مكوّن أصيل في المشهد الموسيقي العربي والعالمي.
الحقيقة أن الفنان محمد عبده ليس مجرد مطربٍ مرَّ في تاريخ الأغنية العربية، إنما ظاهرة فنية استثنائية أعادت تشكيل الوجدان الخليجي والعربي على حد سواء وعلى امتداد عقود، فهناك أصواتٌ تمرُّ على الأذن كنسيم عابر، فتُمتعنا لحظة ثم تذوب.. لكن صوت محمد تسلّل إلى أرواحنا، واستوطن تفاصيل حياتنا، وصار نبضاً يخفق في ذاكرة كلِّ من أحبَّ.. ليست كل الأصوات تُخلَّد، ولا كل الحناجر تترك أثراً، بعضها يُطربنا قليلاً ثم ننساه، لكن الفنان محمد عبده من أولئك النادرين الذين صيّروا الغناء حضناً دافئاً، حتى أضحى صوته ذكرى لا تجفّ، وحكاية لا تنتهي، هو ليس مجرد فنان.. هو جزء منا، جزء من ذاكرتنا، جزء من كلّ بيتٍ خليجي أو عربي أحبّ الطرب الأصيل، ولهذا -وبجدارة قلّ نظيرها- استحق وبكل فخر لقب: «فنان العرب».
منذ بداياته الأولى، لم ينشغل ببريق الشهرة، ولا استعجل المجد الكاذب يوماً، بل كان الفن في حنجرته قدراً ينتظر مولده، منذ النوتة الأولى، كان يغرس بذرة مشروع فني متكامل، ليس كغيره من المشروعات، مشروع ينبض بالروح، يقدس الكلمة قبل أن تخرج، ويحنو على اللحن حتى يستوي، ويحتضن الذائقة العامة كأم تحتضن وليدها، هكذا جاءت أعماله محملةً بعمق إنساني وثقافي، جعلها تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصبح جزءاً من حياة الناس ومناسباتهم وذكرياتهم..استوطن الفنان محمد عبده ذاكرة الناس، وأصبحت أغانيه جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية، جزءاً من أفراحهم، حاضرة في لحظات حنينهم، وفي محطات الحب والفقد والانتظار.
والحقيقة الأخرى أن الفنان محمد عبده تميّز بقدرته النادرة على الجمع بين الأصالة والتجديد في آن، حافظ على روح الأغنية الخليجية وهويتها، وفي الوقت نفسه فتح لها أبواباً واسعة نحو الانتشار العربي، لأنه -منذ البداية-راهن على تأسيس مشروع فني عظيم، قوامه الحب، وسنده احترام الكلمة، ودليله الذائقة التي لا تخطئ، كما تعامل مع التراث بوصفه روحاً متجددة يمكن أن تتنفس في كل عصر، فصنع مدرسةً فنيةً خاصة به، تتكئ على الأصول والجذور لكنها تمتد بأغصانها نحو آفاق المستقبل، لم تحبسه لهجةٌ في زنزانتها، ولا حصرته جغرافيا في حدودها..حوّل خصوصيته المحلية إلى قنديلٍ يضيء الطريق ليسير به نحو العالمية بكل أجنحة الفن الجميلة.. يصنع من المحلية عنواناً للعالمية، ويفتح صوته على مصراعيه لأحلام الناس جميعاً، فانتشر صوته كالنور في ربوع العرب، وصار فناناً للجميع لا لفئة ولا لمدينة، وهذا سر من أسرار أسطورته الذي لا يكمن في جمال صوته فحسب، بل في صدقه الفني العميق أيضاً.
محمد عبده.. فنان عندما يغني الحب يبدو عاشقاً، وعندما يشدو بالشوق يصبح صورةً لكل مشتاق، وحين يلامس الحنين تتحول الأغنية إلى مرآةٍ تعكس مشاعر الملايين، لذلك لم يكن يرتبط بجمهور يستمع إليه فحسب، بل كان يعيش معه تفاصيل الأغنية وكأنها جزء من هويته، لذا ارتبط الناس به ارتباطاً تجاوز الإعجاب الفني إلى علاقة وجدانية عميقة، كان مطرباً شديد الحرص على انتقاء النصوص، كما ينتقي العاشق رسائله، دقيقاً في اختيار الألحان، ينتقي كلماته.. ويصطفى ألحانه.. كما يصطفي الصبّ مواعيده.. مؤمناً إيماناً عميقاً بأن الفن الحقيقي الذي يستحق الخلود، لا يعيش إلا إذا احترم عقل من يستمع، ولامس روح من يحلم، الفن الحقيقي هو الذي لا يخون عقل المتلقي ولا يخدش روحه، بل يصعد بهما معاً إلى فضاءات أكثر صفاء ونقاء.
أكثر من نصف قرن، وهو واقفٌ على قمة المجد لا يتزحزح، شاهِد على أن القمة لم تكن يوماً سوى مستقر أشجانه، في زمنٍ سقطت فيه أسماء كثيرة تحت وطأة التغيرات الفنية والإعلامية، هذا الثبات وهذا الاستمرار لم تصنعهما الصدف، وإنما صنعتها موهبة استثنائية وثقافة فنية واسعة ووعي عميق بمعنى الفن ورسالة الفنان التي وجد من أجلها، أدرك بقلبه قبل عقله أن البقاء الحقيقي لا يُبنى على الأضواء والهتاف، وإنما على القيمة الفنية الخالدة، كما بين لنا أن التاريخ لا يلتفت إلى الأصوات العالية، بل يحني رأسه إجلالاً للأعمال التي تحمل في داخلها صدقاً نادراً وجمالاً خالداً.
في مساره الفني الممتد حظي محمد عبده بالغناء لشاعرين يمثلان مشروعين ثقافيين كبيرين أثريا الشعر الغنائي العربي وأعادا تعريف العلاقة بين القصيدة والأغنية، هما: الأمير بدر بن عبد المحسن -رحمه الله- تلك الحالة الشعرية الفريدة صعبة التصنيف، شاعر امتلك حساسية إنسانية عالية، وقدرة استثنائية على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور شعرية مدهشة، كتب الشعر و(الغناء) ورسمه ليشكّل مشهداً كاملاً مليئاً بالرموز والدهشة والحنين والأسئلة الوجودية، وثبت نجاحه في هذا التوجه الملهم، لأنه استطاع بقدرته الشعرية، وامتلاء فنه بالمعنى أن يفهم حاجة المتلقي إلى التميز، من خلال تبني (العشق الأنيق) بصوره المختلفة، لقد أراد «تجميل الواقع بدلاً من تغييره»، ونجح في تحويل القصيدة من غناءٍ للعاطفة إلى تأمل عميق..كتب البدر -رحمه الله- شعراً حكيماً بريشة فيلسوف فنان، إنه شعرٌ لا يُقرأ، بل يُعاش، وعندما التقى هذا العالم الشعري بصوت محمد عبده نشأت واحدة من أهم الشراكات الفنية في تاريخ الأغنية العربية.
لقد منح الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن -رحمه الله- الفنان محمد عبده مساحة جديدة للتعبير لم تكن متاحة في النصوص التقليدية، فأغنيات مثل (المعازيم) و(رسالة حب) و(ليلة خميس) و (أبعتذر) و(جمرة غضى) و(أرفض المسافة) و(مرتني الدنيا) و(فوق هام السحب) و (كل ما أقفيت) وغيرها لم تكن مجرد أغانٍ ناجحة، بل كانت نصوصاً أدبية مكتملة العناصر، حملت الصوت إلى مناطق أكثر عمقاً واتساعاً، تعلم الجمهور من خلالها أن الأغنية الخليجية يمكن أن تكون عملاً فنياً راقياً يضاهي أجمل ما كُتب في الشعر الغنائي العربي، كان البدر -رحمه الله- يرى في محمد عبده صوتاً قادراً على حمل أكثر النصوص تعقيداً ورهافة، بينما وجد محمد عبده في البدر شاعراً يمنحه فرصة تجاوز القوالب التقليدية، ولهذا لم تكن العلاقة بينهما علاقة مطرب وشاعر فقط، بل كانت علاقة مشروعين التقيا لصناعة مرحلة كاملة من تاريخ الفن.
وهي المرة الأولى التي سنحت الفرصة فيها للأغنية الخليجية أن تصعد إلى مصاف الفن الراقي، وتضاهي أجمَل ما كُتب في الشعر الغنائي العربي.. كانت أكثر من أغانٍ، كانت قصائد تسكن القلوب، نصوص أدبية ناضجة، لا ينقصها حرف ولا يخونها جمال، حملت هذا الصوت العظيم إلى فضاءات لم تصلها أغنية من قبل، وفي تلك الرحلة الفنية الخالدة، اكتشف الجمهور أن الأغنية الخليجية يمكنها أن تكون عملاقة راقية، تنافس بجدارة أعرق ما كُتب في تاريخ الشعر الغنائي العربي، وتترك فيه بصمات لا تمحى.
أما الشخصية الثانية فهو: «الأمير الشاعر خالد الفيصل» (دايم السيف) الذي كان يمثل بعداً مختلفاً في تجربة محمد عبده، فإذا كان البدر شاعر الصورة والدهشة والحنين، فإن خالد الفيصل شاعر الحكمة والهوية والوجدان الوطني والإنساني العميق، الذي يستدرج عاطفتك ووجدانك من حيث لا تدري، فشعره لغة قريبة من الناس لكنها مشبعة بالفكر والتأمل والتجربة الحياتية.
لغة الأمير الفيصل تتلألأ بالضوء والظل.. بالإيقاع الساكن.. بالهمس والصوت.. الذي تعذب معه الكلمات، كما لو كانت موسيقى خفية لكل معنى ولكل شعور، فكل كلمة تشكّل قطرة ضوء تسقط على صفحة الليل، وكل صورة كنجمة تتألق في سماء التجربة الإنسانية، وكل مشهد شعوري كمرآة تعكس الذات والعالم معًا، تحولت مفردات شعر الأمير الفيصل إلى خيال مجنح يستدعي التأمل فيما يحتويه من حكمة، ووجدان وما يكتنفه من شعور بالجمال المطلق.
وإذا كانت تلك سمات شعر الأمير خالد الفيصل فلا عجب بعد هذا أن تُسهم في ترسيخ صورة محمد عبده كصوت للهوية الوطنية والثقافية السعودية، فأغنيات ( من بادي الوقت) و( أيوه) و(غريب الدار) و(كل ما نسنس) و(تنشد عن الحال) و( الله عليها عودت) و( يا غايبة) و ( أبي منه الخبر) و (يا صاح) و( أواه يا قلب عليل) وغيرها، تُعد من القصائد التي ترجمت بحكمة وروّية التوازن النادر بين البساطة والعمق، وبين المحلية والبعد الإنساني الشامل، ولذلك لم يكن تأثيرها مقتصراً على جيل بعينه، بل امتد أجيالا متعاقبة وجدت فيها نفسها ومشاعرها وقيمها.
والحقيقة التي يجب أن تقال: إن الفنان «محمد عبده» كان ذكياً في اختياراته الفنية، يمتلك حساً فذاً، وذاكرة لا تخطئ، وقلباً يعرف ما يريد.. أدرك مبكراً أن الفنان الكبير لا يبحث فقط عن النص الجميل، بل يبحث عن النص الذي يضيف إلى مشروعه ويصنع له شخصية متفردة، فالنص الجميل وحده لا يصنع فارقاً، لذا بحث عن النص الذي يضاف إلى فنه، كي يبني مشروعه، ويصوغ له شخصية متميزة لا تتكرر، شخصية تظل ثابتة في القمة، لهذا أحاط نفسه بكبار الشعراء والملحنين، وراهن عليهم، وجد في «بدر بن عبد المحسن-رحمه الله-، وخالد الفيصل» ركيزتين أساسيتين في بناء هويته الفنية، أضف إلى هذا أن محمد عبده كان يعيد خلق القصيدة بفنيته الراقية، ويدخل إلى النص فيمنحه حياة جديدة، حتى إن بعض القصائد أصبحت في الذاكرة مرتبطة بصوته فقط أكثر من ارتباطها بالورق الذي كُتبت عليه، أو الشاعر الذي صاغها، وهذه قدرة لا يمتلكها إلا الفنانون الكبار الذين يتحولون من مؤدين إلى شركاء حقيقيين في صناعة المعنى والفن ذاته.
يبقى محمد عبده أكثر من فنان، وأكثر من صوت، وأكثر من مرحلة زمنية، إنه ذاكرةٌ تغني، وتاريخٌ يتجدد، وأسطورةٌ كتبت خطّت حضورها في عمق الأجيال بحروف من نور ولحن لا يموت ولا يهرم.. إنه حالة فنية نادرة.. واستثناء يصعب تكراره.. ورمز سيظل شاهداً على أن الفن الحقيقي لا يشيخ مهما تعاقبت الأزمان.