د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
ثمّة مفارقةٌ تستحقّ التأمّل في أدبيات البحث العلمي العربية: فالخاتمة هي طُبْعانُ الكاتبِ الذي يبقى أثره في القارئ، وهي مع ذلك أكثرُ أجزاء الرسائل والأطاريح إهمالًا وأقلُّها تحريرًا.
والباحث الذي يُنفِق على كتابة فصول بحثه شهورًا، يكتب خاتمته في ساعةٍ أو ساعتين، ثمّ يَدفع بالعمل إلى المناقشة، ولعل العلّة في ذلك أنّ الخاتمة يحفُّها غموضٌ في تصوّر وظيفتها، فيُقدِم عند اتجاهه نحو كتابتها على إعادة مختصرة لما قدّم في الفصول؛ لأن ذلك هو أوّل ما يَخطُر له.
ولو رجعنا إلى ما تُقرّره بعض كتب المنهجية لوجدنا التعريف بالخاتمة يحمل بذرة هذا الغموض، فهي تتحدّث عن أنّ الخاتمة حصيلة النتائج، ثمّ تُضيف في مسار الغموض نفسه أنّها عرضٌ موجز للمراحل والجهود التي بذلها الباحث، وللعراقيل التي اعترضته وطرق تغلّبه عليها، (منهجية البحث، ماثيو جيدير، ص67) ومن هذا الجمع يظهر الإشكال؛ إذ كيف تكون الخاتمة حصيلةً للنتائج وعرضًا للجهود معًا، والنتيجةُ شيءٌ والجهدُ المبذول لتحصيلها شيءٌ آخر؟ هذا الخلط في التعريف بالخاتمة هو الذي يَتسرّب إلى أقلام الباحثين، فتجيء كتابة الخاتمة عند فئام منهم مزيجًا مضطربًا؛ فيه من سرد المسار أكثرُ ممّا فيه من عرض الثمرة.
وأطروحة هذه المقالة هي أنّ تحرير المسألة يبدأ من كلمةٍ واحدة: الخاتمة استخلاصٌ لا تلخيص، وعلى هذا التفريق يقوم فقهُ كتابتها كلّه؛ إذ إنّ بين التلخيص والاستخلاص: فرقٌ جوهريٌّ لا لفظيّ، فالتلخيصُ إعادةٌ مختصرة لما مضى؛ يُخبر الباحث فيه عن مسار البحث، فيقول: تناولتُ في المبحث الأول كذا، ثمّ عرضتُ كذا، واشتمل الفصل الثالث على كذا. أمّا الاستخلاصُ فاستخراجٌ لما تولّد عن ذلك المسار؛ يُخبر فيه الباحث عن حصيلة بحثه وثمرته، فيقول: تبيّن كذا، وثبت أنّ كذا، وانتهى النظر إلى كذا، وهنا يمكن القول: إنّ التلخيص وصفٌ للطريق الذي سلكه الباحث في فصول الرسالة ومباحثها، والاستخلاص عرضٌ لما بلغه وانتهى إليه في سيره.
والعلّة في رجحان الاستخلاص أنّ التلخيص بمفهومه الشائع لا يُضيف إلى القارئ جديد علم. أمّا الاستخلاص فيُعطيه خلاصةً مُكثَّفة، ونتائجَ مُجرَّدةً من سياقها مرتَّبةً بهدف الكشف عن بناء المعرفة الذي أقامه البحث.
وإذا استقرّ هذا الأصل، تفرّعتْ عنه ضوابطُ سبعةٌ تُحرِّر صناعة الخاتمة:
الضابط الأول: الخاتمة إغلاق لدائرة البحث
البحثُ المُحكَم دائرةٌ؛ ففي المقدّمة تطرح إشكالية مقرونة بوعد ملزمٍ بجوابها، والخاتمةُ محلّ الوفاء بالوعد فتُجيب، وأوّلُ واجبٍ على الخاتمة أن تَعود إلى أسئلة الإشكالية، فتُبيّن: هذا ما انتهى إليه النظر في السؤال الأول، وهذا في الثاني. فإن خَلَت الخاتمة من جوابٍ صريحٍ عن الإشكالية، بَقيت الدائرةُ مفتوحةً، وصار البحثُ ناقصَ البنية وإن طال، وبعض الرسائل العلمية تُختَم بنتائجَ صحيحةٍ في ذاتها، لكنّها لا تُحاذي أسئلةَ المقدّمة ولا تُقابلها، فيَخرج القارئ وقد نُقِض عليه عَقدُ القراءة الذي أُبرِم له في أوّلها.
الضابط الثاني: النتيجة خبرٌ مُحقَّق
ثمّة ميزانٌ لفظيٌّ يَفصِل بين الاستخلاص والتلخيص: فأفعالُ الخاتمة الاستخلاصية أفعالُ ثبوتٍ وكشف، مثل: (تبيّن، ثبت، أسفر النظر، دلّ الاستقراء، انتهى البحث إلى)، لا أفعالَ سردٍ إجرائيّ، مثل: (تناولتُ، عرضتُ، اشتمل المبحث، قسّمتُ)، فإذا وجد الباحث خاتمتَه عامرةً بأفعال السرد فليعرف أنّه يُلخّص لا يَستخلص، وهذا ميزانٌ عمليٌّ يَستطيع كلُّ باحثٍ أن يَعرض به خاتمته على نفسه قبل أن يَعرضها على غيره.
الضابط الثالث: النتيجة قضيةٌ مُفرَدةٌ قابلةٌ للنقاش
النتيجةُ الصحيحة جملةٌ خبريةٌ تامّة، يُمكن أن يُوافَق عليها أو تُعارَض، فإذا قال باحث في الخاتمة: (المستوى الدلالي، واشتمل على محورين) فإنّ هذا القول ليس نتيجة؛ إذ هو عنوانٌ لا يتوجه إليه نقضٌ ولا تسليم، والنتيجةُ التي يصحُّ وضعها في الخاتمة أن يقول: (دلّ الاستقراء على أنّ معجم الغزل عند الشاعر يَغلِب فيه تداول لفظ الألم بنسبة كذا)، وهنا تعرفُ أن هذه قضيةٌ يُمكن مناقشتُها، ودعوى يتوجه لها اعتراض أو نقض أو تسليم، وبذلك تصبح لدينا نتيجة.
وأيسرُ طريق لتمييز ذلك أن يَسأل الباحث نفسه: هل يَستطيع قارئ مُنصِف الاعتراض على هذه الجملة؟ فإنْ كان لا يستطيعُ لأنها عنوان يشار به إلى شيء سبق، فهذه ليست نتيجةً بعد.
الضابط الرابع: كلّ نتيجةٍ مَدينةٌ لِدليلٍ في المتن
الخاتمةُ لا تُحدِثُ شيئًا جديدًا، أي ليس فيها نتيجةٌ لم يُمهَّد لها في فصول الرسالة ومباحثها بتحليلٍ وبرهان، وعكسُ هذا قادحٌ من وجهين؛ فإن وَرَدت في الخاتمة نتيجةٌ لا أصلَ لها في المتن فتلك دعوى مُرسَلة، وإن بَقي في المتن كشفٌ مهمٌّ لم يُرفَع إلى الخاتمة، فعندئذٍ أضاع الباحثُ ثمرةً من ثمرات بحثه.
الضابط الخامس: الخاتمة والمستخلَص كلٌّ في حدّ
يكتبُ بعض الباحثين الخاتمة والمستخلَص بعبارةٍ واحدة، وهذا نتيجة خلطٍ في تصوّر الوظيفة.
يقع المستخلص في طليعة الأبحاث العلمية، ويتقدّم موقعه على البحث، ويُكتَب للقارئ قبل أن يَقرأ البحث، ولذلك يتصف المستخلص بالكثافة والإيجاز متناولًا أمورًا هي: المشكلة، والمنهج، وأبرز النتائج. أمّا الخاتمة فتقع موقعًا يلي البحثَ، وتُكتَب للقارئ بعد اطلاعه على البحث، ولذلك تتميزُ الخاتمة بأنّ كاتبتها أبسطُ نَفَسًا، وأنها في ذاتها أكشفُ للنتائج وأوضح في ترتيبها، فإذا حدث ووجدتَ باحثًا قد طابق في عبارته بين المستخلص والخاتمة علمتَ أنّ ذلك بسبب خَلَلٍ في إدراك ما لكلٍّ منهما من سمات وحدود فرضها الموقع في ترتيب البحث.
الضابط السادس: الخاتمة مكان شجاعة الباحث
الخاتمةُ ليست موضعَ تَطاوُلٍ ولا موضعَ تردّد، ولا يحسن في كتابتها الانغلاق بدعوى الإحاطة وقطعِ الطريق على غيرها، ولا يصلحُ فيها الإكثارُ من (ربّما) و(قد) و(يُمكن)، وإنّما تُقرّر ما ثبت في البحث تقريرًا جازمًا بقَدْره، وتُشير إلى ما بقي إشارة الكاتب الواثق، وهذا الأمر يُبنى على ما تتميز به لغةُ العالِم في عموم كتابته، ووجودها في الخاتمة ملزم؛ لأنها لغةُ مَنْ يَعرف حدودَ ما بلغ؛ فيَجزِم فيما أقام عليه الدليل، ويَتأنّى فيما لم يَستوفِ حدوده من غير تذبذُبٍ يُفقِد النتائجَ هيبتَها.
الضابط السابع: إثمار الخاتمة
يحسُنُ -بعد استخلاص النتائج- أن يشير الباحث في الخاتمة إلى ما كَشَفه البحثُ من مسائلَ تَصلُح لبحوثٍ تالية، مستصحبًا في ذلك الحذر من الانزلاق إلى التعميم المتسرّع، والفرقُ بينهما دقيقٌ ومهمّ؛ إذ إنّ إثمار الخاتمة بفتح الأفق يأتي بصورة اقتراح جديد، كأن يقول: تَصلُح هذه المقاربةُ نموذجًا يُختبَر في غيره، أما تعميمُ المتعجّل فيأتي بصورة ادّعاء جوابٍ لم يُبحَث، كأن يقول: نتائجُ هذا البحث تَصدُق على شعر الغزل الأندلسيّ كلِّه، أو نحو ذلك من الاقتراحات المطلقة، ولذلك ففي المثالين السابقين نجد الأول يَفتح بابًا بتواضع، والثاني يَدّعي مُلكَ دارٍ لم يَدخُلها.
وخلاصةُ القول؛ إذا أردنا فقهَ كتابة الخاتمة في عبارةٍ جامعة، يمكننا أن نقول: الخاتمةُ استخلاصٌ لا تلخيص، بها -أيها الباحث- تُغلِق دائرةَ الإشكالية بأجوبةٍ صريحة، وتَعرض فيها النتائجَ بوصفها قضايا مُحقَّقة مبنية على أدلّة بثثتها في فصول بحثك، بلغةٍ تدل على ثباتٍ وتتشح بإثبات، وثقةٍ لا تطاوُلَ فيها ولا تذبذُب، ثمّ تَفتح بنتائج بحثك أفقًا لأبحاثٍ قادمة باقتراحات متزنة غير متعجلة.
وحين يَستقرّ هذا التصوّرُ لوظيفة الخاتمة في ذهن الباحث، تنتقلُ من عبءٍ يُؤدَّى في عُجالةٍ إلى ثمرةٍ تُجنى على مَهَل، وتصبحُ -وَإِنْ كانت آخرَ ما يُقرأ- أبقى ما يَتذكر؛ لأنَّها طُبْعانُ الباحث.
** **
- جامعة الحدود الشمالية.