خالد محمد الدوس
قبل أيام قلائل، وتحديداً في يوم 25 مايو 2026م، ودّعت الأوساط الأكاديمية والثقافية العالم الاجتماعي والفيلسوف الفرنسي (إدغار موران) عن عمر يناهز 104 أعوام.. لم يكن موران عالم اجتماع تقليدياً، بل مفكراً موسوعياً نادراً، جمع بين الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلوم الطبيعة، تاركاً إرثاً فكرياً غيّر مفهوم المعرفة الحديثة.وله مؤلفات متنوعة ذاع صيتها في فرنسا وخارجها خاصة في ميدان علم الاجتماع، وإسهامات بحثية تم تقديمها كدراسات معمقة للطبيعة البشرية استنادا إلى بيانات علمية رصينة، كما نال تكريمات لا تحصى بينها الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة أجنبية وفق وكالة الصحافة الفرنسية، وميدالية اليونسكو الذهبية عام 2001 نظير إنجازاته الكبيرة، واسهاماته العظيمة في حقول معرفية متنوعة.
ولد هذا العالم الفذ في باريس في 8 يوليو 1921. عاش تجربة الاحتلال النازي مبكراً، فانخرط في المقاومة الفرنسية حيث اتخذ الاسم المستعار «موران» الذي ظل ملازماً له. بعد الحرب انخرط في الحزب الشيوعي لكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل من ستالينيته، ليطرد منه عام 1951، وهي التجربة التي وثقها في كتابه «النقد الذاتي». التحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي عام 1950، ليبدأ رحلة استثنائية في فهم الإنسان.
يكمن الإرث الأعظم لموران في «فكر التعقيد» الذي طوره في موسوعته الضخمة «المنهاج» المكونة من ستة أجزاء والتي استغرقت ثلاثين عاماً (1977-2006). لطالما انتقد موران «الإعاقة الذهنية» التي تفرضها التخصصات الجامعية الضيقة، معتبراً أن المعرفة الحديثة تعاني من «التقسيم القطعي» الذي يفصل بين العلوم الإنسانية والطبيعية. دعا إلى إعادة وصل ما تفرق، والنظر إلى العالم كنسيج متشابك من العلاقات بدلاً من أجزاء منفصلة.
لم يكتفِ «موران» بالتنظير الفلسفي، بل نزل إلى الميدان.
من أبرز إسهاماته السوسيولوجية دراسة «تحول بلوزيفيه» في إحدى قرى بريتاني، حيث عاش مع السكان ليدرس تأثير الحداثة والتلفزيون على المجتمعات التقليدية، كما قدّم تحليلاً رائداً لظاهرة «إشاعة أورليان» التي اتهمت تجاراً يهوداً باختطاف الفتيات، ليُظهر كيف تعمل الأساطير الحديثة في المجتمعات المعاصرة. كان أيضاً من أوائل الباحثين الذين درسوا «ثقافة النجوم» و»ثقافة الشباب»، وأسس مع العالم «جان روش» نهجاً جديداً في السينما الأنثروبولوجية من خلال فيلمهما الشهير «سجل صيف».
وقد عرُف العالم الراحل «موران» بغزارته في الإنتاج المعرفي والفكري، حيث لم يتوقف على الكتابة والتنظير لكنه صال وجال فيلسوفيا بين شتى المصادر المعرفية، وبين ثقافات أغلب المجتمعات كباحث متمرس وناقد شرس يدفعه لذلك أخطاء العلم الحديث وثغراته، وشغف التعقيد والتركيب الذي جعل منه الغاية الأساسية لإصلاح الفكر وتخليصه من مخاطر البراديغم التبسيطي والاختزالي، (والبراديغم بالمناسبة: مفهوم ظهر في أعمال المفكر الأمريكي توماس كون (1922 - 1996) والذي أشار به إلى جملة من القوانين والنظريات والتطبيقات والأجهزة التجريبية التي تقدم أنماطا توّلد تقاليد خاصة ومتماسكة من البحث العلمي)، ويشكل كل براديغم فريقا علميا مشتركا يتبنى نفس القواعد والآليات التي تحدد نشاطهم العلمي، وقد استفاد إدغار موران من مجهودات توماس كون في صناعة هذا المفهوم وعمل على تطويره وتوسيعه اكثر، فعبر عن ذلك بالقول» البراديغم هو مبدأ الربط/ الإقصاء الأساسيين اللذين يتحكمان في كل تفكير وفي كل نظرية».
ولم تكن رؤيته التركيبية محصورة في علاقة المعرفة الإنسانية بالثقافة فقط، بل إنه سعى إلى تكريس التركيب والتعقيد قد دفع به الى محاولة الوصل والربط بين مختلف الثنائيات والجدليات، كما عمل باستمرار على إخضاع الحضارة الإنسانية بأشكالها وصورها المتنوعة الى الأسلوب التركيبي، وقد راهن العالم «ادغار موران» كثيرا على مشروعه الفلسفي هذا، من أجل تغير واقع الإنسان الفكري والحضاري المتأزم والمتشرذم..!! وتحقيق مستقبل أفضل، تتلاقى فيه كل الأفكار والمعارف، وتتعايش ضمنه كل الشعوب والمجتمعات، دون المساس بما تحتويه من اختلاف وتنوع.
ظل «موران» حتى آخر أيامه قلمياً غزير الإنتاج، ناهضاً الحرب الاستعمارية في الجزائر، ومناصراً للفكر البيئي قبل أن يصبح موضة، معتبراً أن الأزمة البيئية هي نتاج لفصل الإنسان عن الطبيعة.
برحيل (إدغار موران)، يخسر العالم «إنسانياً موسوعيا و»عقلانية منفتحة». منهجه الذي يحمل عنوان «فكر التعقيد» لم يعد مجرد نظرية أكاديمية، بل أصبح ضرورة حياتية لفهم عالمنا المشبع بالشبكات والتداخلات. لقد ترك لنا (موران) ليس كتاباً نقرأه، بل عيناً جديدة نرى بها العالم، وإرثاً سيظل يلهم الأجيال القادمة في علم الاجتماع والفلسفة وعلم الانسان.