عبدالإله بن محمد بن مرشد التميمي
حين يُذكر الأمن يتبادر إلى الأذهان رجال الأمن والحدود والأسلحة والمنظومات العسكرية، وهي بلا شك من أهم ركائز حماية الأوطان وسيادتها، غير أن هناك نوعًا آخر من الأمن لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل قد يسبقه في الأثر والخطورة، وهو الأمن الفكري.
والأمن الفكري لا يعني مصادرة الآراء أو إغلاق أبواب الحوار، بل يعني حماية المجتمع من الأفكار التي تقوم على الغلو والتطرف والكراهية والتحريض والعنف، وتعزيز ثقافة الاعتدال واحترام الأنظمة والمحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه.
ومن هنا تتكامل أدوار مؤسسات الدولة المختلفة في بناء الوعي؛ فالأسرة تربي، والمدرسة تعلم، والجامعة تؤهل، والمسجد يوجه، والإعلام يثقف، وتعمل جميعها في منظومة واحدة لحماية الإنسان من الانحراف الفكري وصناعة المواطن الواعي القادر على التمييز بين الحق والباطل وبين النصيحة الصادقة والدعوات المضللة.
وفي هذا السياق برزت جهود وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد من خلال ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وتعزيز الوعي الشرعي الصحيح، وحماية المنابر من الاستغلال والتوظيف الحزبي.
وقد كان لمعالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ الذي حظي بثقة ولاة الأمر في مملكتنا الغالية دور بارز في هذا المجال تحقيقاً لرؤية قيادتنا الحكيمة، حيث عُرف بمواقفه الواضحة في مواجهة الفكر المتطرف والتنبيه إلى مخاطره، مؤمنًا بأن حماية المجتمع تبدأ بحماية الوعي، وأن الأمن الفكري يمثل ركيزة أساسية من ركائز أمن الوطن واستقراره.
ولعل من أبرز ما يميز التجربة التي قادها معاليه أن الساحة الدعوية خلال السنوات الماضية شهدت حضورًا أكبر لخطاب الوسطية والاعتدال، وتأكيدًا مستمرًا على قيم التسامح والانتماء الوطني قبل أن تكون مجرد رسائل توعوية.
وقد أدرك معاليه، بحكم خبرته الطويلة في العمل العام وما اكتسبه من مدرسة ملك الحزم والعزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- أثناء عمله في إمارة منطقة الرياض، أن التحديات الفكرية لا تقل خطرًا عن التحديات الأمنية، وأن حماية العقول تمثل خط الدفاع الأول عن الأوطان، مؤكدًا أن الدين جاء لجمع الكلمة وتعزيز الاستقرار وبناء الإنسان.
ولعل ما نشهده اليوم من جهود متواصلة في تعزيز الأمن الفكري وترسيخ الاعتدال وحماية المنابر الشرعية من الاستغلال، إنما هو امتداد لذلك النهج الراسخ الذي قامت عليه الدولة السعودية المباركة منذ نشأتها، والقائم على الجمع بين سلامة العقيدة وصحة المنهج والمحافظة على أمن المجتمع واستقراره.
ومن يتأمل مستهدفات رؤية المملكة 2030 يدرك أن بناء المواطن الواعي يمثِّل أحد أهم مرتكزاتها، وكل مشروع اقتصادي أو حضاري أو تنموي يحتاج قبل كل شيء إلى مجتمع مستقر وواثق من هويته ومعتز بقيمه وقادر على التفاعل مع العالم دون أن يفقد ثوابته.
وتأتي هذه الجهود في إطار الرؤية الشاملة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود- حفظه الله-، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، والهادفة إلى ترسيخ الوسطية والاعتدال، وتعزيز الهوية الوطنية، وبناء مجتمع حيوي يعتز بقيمه وثوابته وينفتح على العالم بثقة واتزان، وقد شكّل الأمن الفكري أحد المرتكزات المهمة في مسيرة التنمية الوطنية، باعتباره الضمانة الحقيقية لحماية المكتسبات والمحافظة على تماسك المجتمع واستقراره.
وقد كانت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد حاضرة من خلال تطوير العمل الدعوي، وتوسيع نطاق البرامج التوعوية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية لإيصال الرسالة المعتدلة إلى الداخل والخارج، بما يعزز قيم الوسطية والاعتدال ويرسخ الانتماء الوطني ويحمي الأجيال من الوقوع في براثن الفكر المنحرف.
حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان والاستقرار والرخاء، ووفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لكل خير، وبارك في جهودهما، وسدد على طريق الخير خطاهما، وحفظ بهما الدين والوطن.