مهدي العبار العنزي
في متناقضات الحياة اليومية وتسارع وتيرتها، يبقى المجتمع المتلاحم هو المظلة الآمنة التي تحمي أفرادها من عواصف الأيام، والدرع الحصين في مواجهة التحديات العاصفة. والتلاحم الحقيقي ليس مجرد شعار براق يُرفع في المحافل والمناسبات، بل هو سلوك يومي ملموس، وعقيدة اجتماعية راسخة تنطلق لبنتها الأولى من أصغر وحدة في المجتمع وأهمها: الأسرة والأقارب. إن قوة أي نسيج اجتماعي ورقيه لا يُقاسان بالبنيان والرفاهية، وإنما بمتانة الروابط بين ذوي القربى؛ فهم السند الحقيقي عند الشدة، والعزوة والذخر في الملمات، وبهم يشتد الظهر ويسكن الفؤاد.
ومع ذلك، فإن العلاقات الإنسانية بطبيعتها لا تصفو دائماً، فهي عرضة لكبوات وهزات تفرضها ظروف الحياة واختلاف طبائع البشر. لكن المؤلم حقاً، والذي يدمي قلوب العقلاء ويفت في عضد المجتمع، هو حين تتجاوز هذه الخلافات العابرة حدودها الطبيعية، لتتحول إلى عداوات مستحكمة وخصومات مريرة بين الأقارب. إنها لمعادلة قاسية، بل ومنكرة في أعراف القيم والمروءة، أن يبيت المرء وأخوه أو قريبه في خندقي عداء متقابلين، وأن تُستبدل مشاعر المودة الفطرية بقطيعة وجفاء وتباغض، لا يورثان أطرافها إلا الحسرة، والوهن، وتشتت الشمل.
إن الخصومة بين الأرحام والأقارب ليست مجرد خلاف شخصي، بل هي ثقب أسود في جسد المجتمع، يلتهم استقرار الأسر، ويوغر الصدور، وينتقل شرره -مع الأسف- إلى الأبناء والأجيال القادمة، ليزرع في نفوسهم جفاءً لم يقترفوا ذنبه.
والخطر الحقيقي هنا لا يكمن في أصل حدوث الخلاف، فالخطأ وارد والنزغ ممكن، وإنما يكمن الخطر العظم في الاستسلام لهذا الواقع، وإغلاق نوافذ الحوار، وترك الأبواب مشرعة للشيطان والهوى ليذكا نار الضغينة ويبثا سموم الفرقة. عندما تشتعل هذه الخصومات، يبرز دور المسؤولية المجتمعية والواجب الأخلاقي الذي يحتم وقفة شجاعة وصادقة من العقلاء وأهل الحكمة والمصلحين. وقفة تُعلي من شأن قرابة الدم وتضعها فوق كل اعتبار مادي أو عتب دنيوي عابر؛ فالدماء لا تصبح ماءً، والرحم معلقة بالعرش تشكو قاطعها.
إن التسامح في مثل هذه المواقف ليس ضعفاً أو تراجعاً كما يخيل للبعض، بل هو أسمى درجات القوة، ونبل النفس، والفروسية الأخلاقية. والبدء بالخطوة الأولى نحو الصلح، ومد يد الأخوة رغم الجفاء، هي شيمة الكرام الأقوياء الذين يشترون جمع الشمل بفضول الكلام.
إن وأد العداوات، ودفن الضغائن، وفتح صفحة جديدة بيضاء مبنية على المودة والاحترام المتبادل، هو الترياق الحقيقي لحفظ كيان المجتمع. ما أجمل أن نتجاوز عن الهفوات، ونلتمس سبعين عذراً، مستحضرين القيمة العظمى لصلة الرحم التي عظمها الخالق وجعلها مظهراً من مظاهر الإيمان، والتي تأبى قيمنا وشيمنا العربية الأصيلة أن تُهان بالتدابر والقطيعة. لنترك الملامة جانباً، ولنجعل من التغافل الذكي والتسامح الصادق جسراً متيناً نعبر به فوق فجوات الخلاف، لتبقى بيوتنا عامرة بالمحبة، وقلوبنا نابضة بالود، مستذكرين دائماً أن العفو والصفح لا يزيدان صاحبهما إلا رفعة وعزاً ومقاماً.