د. جمال بن محمد السمري
مع نهاية كل عام جامعي، تُعرض عشرات مشاريع التخرج في قاعات الجامعات، وتتزاحم الأفكار الهندسية والتقنية بحثاً عن التميز والجوائز. غير أن بعض المشاريع تتجاوز حدود المنافسة الأكاديمية؛ إذ لا تنشأ من معادلات أو مختبرات فحسب، بل من تجارب إنسانية عميقة تترك أثرها في النفوس قبل أن تترك أثرها في سجلات الإنجاز.
هذا العام، وفي قسم الهندسة الطبية الحيوية بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، حصد أحد مشاريع التخرج لطالباتي اللاتي أشرف عليهن: م. جنا المالكي و م. رغد الحربي و م. بدور مقلية، المركز الأول في مسابقة مشاريع التخرج التي نظمتها الكلية لعام 2026م. لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المشروع لم يبدأ داخل قاعة دراسية، بل بدأ قبل سنوات طويلة من ذلك، من قصة إنسانية مؤثرة بطلها صديق عزيز رحل عن الدنيا وبقي أثره حاضراً في كل تفاصيل الفكرة.
كان عبدالرحمن المري، رحمه الله، واحداً من أولئك الأشخاص الذين يعلمون من حولهم معنى الصبر دون أن يقصدوا ذلك. عرفته منذ سنوات طويلة، وكان يعاني من شلل رباعي كامل نتيجة حادث مروري تعرض له في طفولته. ومنذ ذلك الحين أصبح طريح الفراش، غير قادر على تحريك أي جزء من جسده سوى رأسه.
قد تبدو القدرة على استخدام الحاسب أو التحكم بالأجهزة المنزلية أموراً اعتيادية بالنسبة لمعظم الناس، لكنها بالنسبة لعبدالرحمن كانت تمثل تحدياً يومياً بالغ الصعوبة. فحتى أبسط وسائل التواصل مع الآخرين كانت تحتاج إلى حلول استثنائية وتقنيات خاصة تتيح له التعبير عن احتياجاته والتفاعل مع محيطه.
في أواخر عام 2006 بدأت معه رحلة طويلة للبحث عن تقنية مساعدة تناسب حالته. لم تكن الخيارات متاحة كما هي اليوم، وكانت التقنيات المخصصة لذوي الإعاقات الشديدة محدودة ونادرة. وبعد بحث استمر لفترة طويلة، توصلنا إلى جهاز متخصص يتيح التحكم بالحاسب باستخدام الفم، طُوِّر في كندا ولم يكن متاحاً للشحن خارج أمريكا الشمالية.
وبحكم دراستي آنذاك لدرجة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية، تمكنت بفضل الله من التنسيق لشراء الجهاز وشحنه إلى المملكة وتركيبه لعبدالرحمن، رغم أن قيمته في ذلك الوقت تجاوزت ثلاثة آلاف دولار أمريكي، وهو مبلغ كبير قياساً بإمكانات تلك المرحلة.
أتذكر جيداً اللحظات الأولى التي بدأ فيها باستخدام الجهاز. لم يكن الأمر مجرد تشغيل حاسب آلي أو تجربة تقنية جديدة، بل كان استعادةً لجزء من استقلاليته وقدرته على التواصل مع العالم من حوله. كانت تلك التجربة درساً عملياً في المعنى الحقيقي للهندسة الطبية الحيوية؛ فجوهر هذا التخصص لا يكمن في الأجهزة والدوائر الإلكترونية بقدر ما يكمن في تحسين جودة حياة الإنسان وصناعة الأمل حيث تضيق الخيارات.
مرت السنوات، ورحل عبدالرحمن إلى رحمة الله، لكن قصته لم ترحل. بقيت حاضرة في الذاكرة، واستمرت تلهم أفكاراً وأسئلة حول ما يمكن أن تقدمه الهندسة للفئات الأكثر احتياجاً للتقنيات المساعدة.
وحين بدأت طالباتي العمل على مشروع التخرج الذي فاز بالمركز الأول هذا العام، وجدت في تفاصيل المشروع امتداداً لتلك الرحلة القديمة. كان عبدالرحمن، بصورة أو بأخرى، حاضراً في الفكرة والدافع والهدف. فالمشروع لم يكن مجرد ابتكار هندسي يسعى إلى الفوز، بل محاولة صادقة لتسخير المعرفة والتقنية لخدمة الإنسان، وهي الرسالة الأسمى التي يجب أن تحملها الجامعات ومراكز البحث.
لقد ذكّرني هذا الإنجاز بحقيقة مهمة: أن أعظم الأفكار لا تولد دائماً من المختبرات، بل من معاناة إنسان حقيقي، ومن تجربة عشناها، ومن قصة تركت أثراً في وجداننا. وحين تلتقي المعرفة بالتعاطف، تتحول الهندسة إلى رسالة، ويتحول الابتكار إلى جسر يعيد للإنسان شيئاً من قدرته وكرامته واستقلاليته.
رحم الله عبدالرحمن المري، فقد رحل جسداً، لكن أثره ما زال حياً في مشروع علمي، وفي جيل جديد من المهندسات اللواتي يحملن رسالة أن التقنية في أسمى صورها هي تلك التي تُصنع من أجل الإنسان.
** **
- أستاذ مشارك بقسم الهندسة الطبية الحيوية بكلية الهندسة بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن - عميد سابق لكلية العلوم الصحية بالرس بجامعة القصيم