صالح الشادي
في عام 1994، سافرت إلى الولايات المتحدة لحضور نهائيات كأس العالم، وكان الهدف مشاهدة مباريات المنتخب السعودي أمام هولندا، والمغرب، وبلجيكا. كانت رحلة جميلة موفقة، أثبت خلالها المنتخب جدارته وتميزه، إذ حقق أول فوز سعودي في تاريخ المونديال، وسجل هدف اللاعب سعيد العويران الشهير والذي لا تزال الأجيال تشاهده.
لكن ما لفت انتباهي آنذاك هو ضعف تواجد الجمهور السعودي -وهو أمر عادي بالنظر إلى حداثة التجربة وظروف السفر آنذاك- بينما كانت الفرق المتميزة تصطف خلفها جحافل جماهيرية هائلة. وقد أكد علماء النفس الرياضي أن التشجيع ليس مجرد هتاف عابر، بل هو داعم فسيولوجي ونفسي يرفع مستويات الأدرينالين، ويخفض إحساس اللاعب بالتعب، ويزرع في دماء الشباب روح القتال والثبات تحت الضغط.
في ذلك الزمن، تفاعل الجميع وتفاعل الوسط الإعلامي والفني مع وصول منتخبنا إلى هذا المحفل العالمي، وما زلت اذكر الحراك الاعلامي الجميل والكثير من الاعمال الفنية التي كتبتها وغيري وقدمها العديد من الفنانين الذين شاركونا في أغاني التشجيع التي ملأت الأجواء بالحماس. ورغم الاهتمام والدعم، أدركت أن ثمّة أموراً أخرى ينبغي أن نجدها في اللاعبين، إلى جانب اللياقة البدنية طبعاً -وهو دور الادارات الرياضية-. فاللياقة مهمة، لكن الأهم هو وعي اللاعب وذكاؤه وسرعة بديهته كإنسان موهوب، لأن العقل هو المحرك الحقيقي للكتلة العضلية. أقول هذا عن دراية ومتابعة وعلم. فإذا افترضنا أننا نبذل ثلث الوقت لتدريب اللاعب عضلياً وحركياً، فعلينا أن نصرف وقتاً أكبر لتنمية وعيه في دروس مختارة في الرياضيات (لفهم الزوايا والمسافات والاحتمالات)، والفيزياء (لقوانين الحركة، ومسار الكرة، واحتكاك الأرض)، والتوافق النفسي (لإدارة القلق والتوتر)، والحوار في ساحة الملعب وهو الاهم كأداة تنسيق جماعي. الاهتمام بوعي اللاعب وثقافته بعد اختياره أمر بالغ الأهمية، وإعداده نفسياً وفكرياً يؤثر تأثيراً حاسماً في نتائج أدائه، إلى جانب تنمية روح الانتماء وتكثيف الكادر الوطني المحيط به.اليوم، بفضل من الله تشهد المملكة نهضة رياضية مبهرة لا تُضاهى. هذه النهضة ليست وليدة الصدفة، بل تأتي في إطار رؤية وطنية طموحة تقودها حكمة القيادة -يحفظها الله- ويرعاها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي جعل الرياضة محوراً أساسياً في بناء الإنسان والمجتمع.
إن التحول الذي نراه هائل وملموس: من إنشاء رابطة الدوري السعودي للمحترفين وجذب أعظم نجوم العالم، إلى استضافة أحداث كبرى مثل كأس العالم 2034، وإطلاق مبادرات نوعية كأكاديميات المواهب، والاستثمار في الرياضة النسائية التي أصبحت حاضرة بقوة في المشهد. ويدير هذا القطاع باقتدار سمو الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل – وزير الرياضة – ذلك الشاب الرياضي الرائع الشغوف، الذي استطاع أن يحوّل التحديات إلى إنجازات، وأن يرسي معايير احترافية غير مسبوقة.
أنا – كغيري – متفائل بمستقبل المنتخب وصعوده المنتظر في المونديال هذا العام، وأنظر بإعجاب إلى فرق الأندية المحلية التي باتت تمثل مدارس فنية متكاملة. لكني أعيد التأكيد على حقيقة جوهرية: الرياضة ليست مهارات عضلية فقط، بل هي ذكاء، وإدراك، وتوافق نفسي، وانتماء. فكلما أعددنا اللاعبين فكرياً بقدر ما نعدهم بدنياً، كلما رأينا كرة قدم سعودية ترفع الرأس عالياً في كل محفل. والتشجيع ثم التشجيع .. وتبقى تجربتي الشخصية في أمريكا شاهداً على أن البدايات مهما كانت متواضعة، فإن الإرادة المدعومة برؤية حكيمة تصنع الأجيال، وتكتب أمجاداً لا تمحى.