محمد البهيدل
لم يكن مشهد صعود منصة التتويج بكأس خادم الحرمين الشريفين كافياً لترميم الشروخ الفنية العميقة التي عانى منها الهلال هذا الموسم.
نعم، تحققت البطولة الأغلى، ونال الفريق شرف السلام على القيادة، لكنها بطولة جاءت بطعم «القلق» ومرارة التوجس؛ فالفوز في المباراة الختامية على فريق الخلود الطموح والمتحمس لم يكن مقنعاً بأي حال من الأحوال للمدرج الأزرق الذي اعتاد على الهيمنة المقرونة بالهيبة والأداء الرفيع. الخلود، ذلك الحصان الأسود الذي قدم مستويات لافتة ومميزة في دوري روشن للمحترفين، أحرج الهلال كروياً في ليلة الذهب، وكشف عن عيوب فنية وتكتيكية صارخة لم تعد قابلة للتغطية بمجرد لمعان الكأس وصوت الألعاب النارية.
في العرف الهلالي الصارم، الخروج ببطولة وحيدة في الموسم ليس إنجازاً يُحتفل به، بل هو «موسم للتقييم والمحاسبة».
يمر الهلال اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر إثارة لحفيظة جماهيره منذ سنوات.
فبعد انتقال ملكية النادي إلى شركة صلبة يقودها رجل الأعمال البارز، صاحب السمو الملكي الأمير الوليد بن طلال، ارتفع سقف الطموحات لدى العشاق إلى عنان السماء، وتوقع الجميع صيفاً يوازي القيمة الاستثمارية والاسم التاريخي لهذا الكيان.
لكن الواقع على أرض الملعب كان يصطدم برعونة وقناعات فنية غريبة وعقيمة للمدير الفني الإيطالي «سيموني إنزاغي».
هذا المدرب، الذي أُتيحت له كل سبل النجاح ووُفرت له بيئة عمل مثالية، تسبب بتخبطاته في التفريط بأهم وأقوى بطولات الموسم: دوري روشن للمحترفين وبطولة النخبة الآسيوية، وهما لقبان كانا، بالحسابات المنطقية، وبفوارق الأسماء الفنية المتاحة، في متناول أيدي «الزعماء»، لولا العناد التكتيكي الذي ميز مسيرة السيد إنزاغي.
هذا التراجع أفرز حالة من الغليان في المدرج الهلالي، الذي لا يتوقف ليل نهار عن المطالبة بالإطاحة بالمدرب الإيطالي.
غير أن المعضلة الحقيقية التي يواجهها المشجع اليوم ليست في سوء النتائج الفنية فحسب، بل في «الضبابية» التي تحجب الرؤية المستقبلية للنادي.
يجد المتابع الهلالي نفسه اليوم حائراً، يعيش في مساحة رمادية تقودها الاجتهادات الإعلامية، وتتحكم في مفاصلها «المصادر المجهولة» عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت هي من ترسم ملامح مستقبل الفريق في ظل غياب المعلومة الحقيقية. وسط هذا الضجيج الافتراضي، يبرز «الصمت الإداري المطبق» من قِبل إدارة النادي الحالية كعلامة استفهام كبرى؛ فالإدارة تلوذ بالصمت التام تجاه المتغيرات الواسعة والعميقة التي تحدث في الخارطة الهلالية، وهو صمت لم يعد يتماشى مع مفاهيم «الحوكمة» والشفافية التي فرضتها مرحلة الخصخصة والاستثمار الجديدة.
إن تعطش الجماهير لظهور أي خبر رسمي، أو بيان يوضح خريطة الطريق للموسم المقبل، أصبح بمثابة البحث عن سراب وسط صحراء الشائعات.
الوقت يمضي سريعاً، والأيام تمر في عرف الهلاليين كالثواني الأخيرة من عمر مباريات الحسم، والجمهور يرى المنافسين يتحركون، بينما المشهد في ناديهم يلفه الغموض.
وفي خضم هذه الحناجر المطالبة بالتغيير، جاء التحرك المقتضب من المالك الضمني للنادي ليفتح آفاقاً جديدة من القراءة والتأويل؛ حيث نشر سمو الأمير الوليد بن طلال تغريدة من أربع كلمات عبر حسابه الرسمي في منصة «X»: «الهدوء الذي يسبق العاصفة».
هذا المنشور لم يكن عابراً، بل كان «شفرة» موجهة نجحت في جلب جرعة مكثفة من التفاؤل للمدرج الهلالي، وأحدثت حراكاً واسعاً على كافة الأصعدة.
ولكن، إذا كان سمو الأمير قد أراد بث الطمأنينة عبر فلسفة «الهدوء»، فإن القراءة الصحفية المنطقية تستوجب طرح تساؤلات مبطنة ومشروعة يهمس بها كل هلالي في أذن صناع القرار: هل هذه العاصفة القادمة ستكتفي بتغيير الأوراق الفنية على المستطيل الأخضر، أم أنها ستعيد صياغة وهيكلة العمل الإداري بأكمله؟.
هل يعكس هذا الهدوء ترتيباً داخلياً ضخماً يتواكب مع مشروع الخصخصة الطموح، أم أنه مجرد استراحة محارب بانتظار قرارات حاسمة تؤجل بطلب من الإدارة الحالية؟ وإلى أي مدى يمكن للمدرج الصبور أن يحتمل صمت الإدارة الرسمي، في وقت تتطلب فيه مرحلة المالك الجديد صوتاً قوياً وشفافاً يوازي حجم الحدث وصوت الشارع؟.
إن القراءة المنطقية للوضع الحالي تؤكد أن «العاصفة» التي وعد بها سمو الأمير يجب ألا تقتصر على مسكنات موضعية، بل يجب أن تقتلع أولاً جذور التردد، وتضع حداً لمغامرات إنزاغي، وتجلب غربلة شاملة لملف اللاعبين الأجانب الذين لم يقدموا ما يشفع لهم بتمثيل الشعار الأزرق. الهلال مقبل على موسم مفصلي لا يقبل أنصاف الحلول، وتغريدة سموه وضعت الجميع -ملاكاً وإدارة- أمام مسؤولية التغيير الجذري؛ فالجماهير تعطشت للمعلومة مثلما تعطشت للبطولات، ولن تقبل بأن يكون صمت الإدارة غطاءً لتكرار سيناريو «البطولة الوحيدة» في المستقبل. الكرة الآن في مرمى صناع القرار، والشارع الرياضي بأكمله يترقب كيف ستترجم كلمات الأمير الأربع إلى واقع ملموس يعيد لـ»الزعيم» هيبته وسيطرته المطلقة.