سلمان بن محمد العُمري
تؤدي المنتديات والصوالين الثقافية الخاصة دوراً محورياً وتاريخياً في دعم مسيرة العمل الثقافي والعلمي، فهي بمثابة «الحاضنات الشعبية» والمحركات المرنة التي تُكمل الدور الرسمي للمؤسسات الأكاديمية والحكومية، وفي مشهدنا الثقافي المحلي، تبرز الديوانيات والمنتديات الأسبوعية كواحدة من أبهى صور المشاركة المجتمعية الإيجابية؛ حيث تحولت هذه المجالس من فضاءات اجتماعية تقليدية إلى منصات فكرية متنوعة، يرتادها المثقفون والمبدعون والمحبون للمعرفة، ليصنعوا معاً حراكاً وعمراناً ثقافياً لا ينبض.
وتتميز الصوالين الخاصة بمرونتها وبعدها عن البيروقراطية، مما يوفر بيئة حوارية تلقائية ومفتوحة، هذا المناخ يشجع على طرح أفكار ورؤى قد لا تجد مكاناً في القنوات الرسمية الجادة، وتقريب وجهات النظر بين مختلف التيارات الفكرية والثقافية، إلى جانب كسر الحواجز بين النخبة المثقفة والجمهور المهتم.
والقيمة الحقيقية لهذه الصوالين الثقافية لا تكمن فقط في جودة ما يُطرح فيها، بل في عامل الاستمرارية والديمومة الذي ميزها، فإن تستمر ندوة أو مجلس في الانعقاد أسبوعاً بعد أسبوع، ولعدة عقود دون انقطاع، هو إنجاز حضاري يعكس عمق الشغف والالتزام لدى مؤسسيها. هذه الاستمرارية لم تكن لتتحقق لولا وجود تفاعل مجتمعي واع وحضور متميز يرفد هذه الأمسيات بالحياة، ويؤكد عطش المجتمع لكل ما يثري العقل ويهذب الوجدان.
وعندما نتحدث عن العراقة والاستمرارية، لا بد أن يستحضر القلم أنموذجاً مضيئاً يجسد هذه المسيرة الثقافية الفريدة، وهي «ثلوثية الأمير أحمد بن بندر السديري»، هذا الصرح الثقافي المتميز يمثل امتداداً لإرث فكري راسخ؛ حيث أسسها والده -رحمه الله - قبل أربعة عقود، لتستمر طوال هذه السنوات الطويلة كمنارة لا تنطفئ وشعلة معرفية متقدة، وقد نجحت الثلوثية في أن تكون ملتقى للنخب والعامة على حد سواء، وجسرت الفجوة بين الأجيال عبر حوارات راقية وقضايا تلامس تطلعات المجتمع وثوابته.
ولأن الثقافة الحية هي التي تواكب العصر ولا تنعزل عنه، فقد أحسنت هذه المنتديات -وفي مقدمتها ثلوثية السديري- الاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة، فلم تعد المعرفة محصورة في الجدران الأربعة للمجلس، بل طوعت أدوات العصر من خلال النقل المباشر (البث الحي) للوصول إلى آلاف المتابعين خلف الشاشات في شتى بقاع الأرض، ومن ثم التسجيل الرقمي والتوثيق لضمان حفظ هذا الإرث الفكري الثمين وحمايته من النسيان.
ولم تقف المبادرات عند حدود الفضاء الرقمي، بل امتدت إلى التوثيق الورقي الفاخر؛ حيث بادرت بعض المنتديات بطباعة المحاضرات والندوات في كتب وإصدارات دورية، مع التعريف بالمحاضرين ونشر أوراق العمل، مما جعلها مرجعاً باقياً ومتاحاً للباحثين والأجيال القادمة، وقد سررت بصدور كتاب [أحمد بن بندر السديري الثلاثية ورحلة الأربعين عاماً] للدكتور عبد الله الزازان والذي يروي تاريخ الأمير بندر بن أحمد السديري والأمير أحمد بن بندر السديري وتاريخ محافظة الغاط ويوثق ندوة ثلاثية السديري ويقدم للقارئ الكريم مادة علمية مفيدة جديرة بالمطالعة.
إن الديوانيات الثقافية الأسبوعية، برصيدها الممتد لعقود وعطائها المتجدد رقمياً وتوثيقياً، تثبت يوماً بعد يوم أنها شريك أساسي في التنمية الثقافية المستدامة، ونموذج ملهم يبرهن على أن العطاء المجتمعي حين يمتزج بالوعي والأصالة، يصنع تاريخاً يفخر به الوطن.