مرفت بخاري
يولد الأبناء صفحاتٌ بيضاء، تتسابق الأيدي إلى الكتابة عليها منذ اللحظة الأولى، يكتب الوالدان بحبر الحب والقيم، ويكتب المجتمع بعاداته وتقاليده، ويكتب الأصدقاء بأثر الصحبة.
ثم تأتي الحياة الحديثة محملة بشاشاتها ومنصاتها وسيلها المتدفق من الرسائل والصور والأفكار، لتترك سطورها هي الأخرى على تلك الصفحات الغضة، ومع كل هذا الزحام لا يبقى السؤال كيف نربي أبناءنا فحسب، بل من الذي يشاركنا تربيتهم ونحن لا نشعر.
ذلك أن معركة هذا العصر لم تعد على الأجساد بقدر ما أصبحت على العقول والقلوب، ولم يعد التحدي في وصول الرسائل إلى الأبناء، بل في قدرتهم على التمييز بين ما يستحق أن يبقى في أرواحهم وما ينبغي أن يعبر دون أثر.
لقد كانت الأسرة عبر التاريخ المدرسة الأولى للإنسان، منها يتعلم اللغة الأولى، والقيمة الأولى، والصورة الأولى عن نفسه وعن العالم من حوله، وفي كنفها تتشكل ملامح شخصيته وتتكون بذور انتمائه ومبادئه، غير أن التربية في زمننا الحاضر أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
فالأبناء لم يعودوا يتلقون قيمهم وتصوراتهم وتأثيراتهم من البيت وحده، ولم تعد دائرة التوجيه محصورة في الوالدين والمعلم والأقارب، بل أصبحت هناك مؤثرات لا تنام، تدخل البيوت عبر الشاشات الصغيرة، وتنافس الأسرة على الوقت والانتباه والتأثير.
ومن هنا تتجلى أهمية بر الوالدين وطاعتهم بمعناها الأعمق، فليست القضية مجرد امتثال لأمر ديني عظيم فحسب، وإنما حفاظ على رابطة إنسانية تمنح الأبناء الشعور بالأمان والانتماء والثقة، وكلما قويت هذه الرابطة بقي الحوار حيًا بين الآباء والأبناء، وبقيت الأسرة قادرة على أداء دورها في التوجيه والاحتواء.
فالابن الذي يجد في والديه أذنًا تسمع وقلبًا يتفهم، يقل بحثه عن البدائل خارج أسوار البيت، أما حين تتصدع جسور الحوار، فإن الفراغ لا يلبث أن يبحث عمن يملؤه، وقد يكون ذلك صديقًا، وقد يكون مؤثرًا مجهولًا خلف شاشة، وقد تكون فكرة عابرة تجد طريقها إلى النفس في لحظة ضعف أو حيرة.
ولأن الإنسان يتأثر بمن يرافقه، كانت الصحبة من أعظم المؤثرات في تشكيل الشخصية، فالصديق ليس مجرد رفيق وقت أو شريك هواية، إنه بيئة فكرية وعاطفية كاملة، تتشكل من خلالها القناعات، وتترسخ العادات، وتتحدد أحيانًا مسارات الحياة كلها.
ولذلك لم يكن التحذير من رفقاء السوء مجرد دعوة أخلاقية عابرة، بل قراءة عميقة لطبيعة النفس البشرية وقدرتها على التأثر والتقليد والانجذاب، وإذا كانت الصحبة قديمًا محدودة في نطاق المدرسة أو الحي أو العمل، فإن مفهوم الصحبة اليوم اتسع بصورة غير مسبوقة.
فقد أصبح الإنسان يتابع أشخاصًا لا يعرفهم، ويتأثر بآرائهم وسلوكياتهم، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما قد لا يمنحه لأقرب الناس إليه، وهنا يبرز الوجه الآخر للتحدي، تحدي المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
فهذه الوسائل ليست شرًا مطلقًا كما أنها ليست خيرًا مطلقًا، إنها أدوات تحمل في داخلها إمكانات هائلة للمعرفة والتعلم والتواصل، لكنها في الوقت ذاته قادرة على صناعة الوهم، وتزييف الأولويات، وإغراق الإنسان في دوامة من المقارنات والصور غير الواقعية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن كثيرًا من الرسائل التي يتلقاها الأبناء اليوم لا تأتي في صورة أوامر مباشرة، بل تتسلل إليهم في هيئة محتوى ترفيهي أو مشاهد يومية أو نماذج حياة تبدو جذابة للوهلة الأولى، ومن هنا فإن مسؤولية التربية لم تعد تقتصر على تعليم الأبناء ما يفعلون، بل أصبحت تعني تعليمهم كيف يفكرون، كيف يميزون بين الحقيقة والزيف، كيف يختارون قدواتهم، وكيف يحافظون على هويتهم وسط هذا التدفق الهائل من الرسائل المتنافسة على عقولهم وقلوبهم.
إن أعظم نجاح يمكن أن يحققه الآباء ليس مراقبة الأبناء في كل لحظة، فذلك أمر مستحيل، وإنما غرس قيم راسخة في داخلهم تجعلهم قادرين على مراقبة أنفسهم حين يغيب الرقيب، فالقيم الحقيقية لا تظهر في أوقات الحضور، بل في اللحظات التي يكون فيها الإنسان وحده أمام خياراته.
وبين دفء البيت، ورفقة الطريق، وضجيج الشاشات، يقف الأبناء في مفترق مؤثرات لا حصر لها، وما من أب أو أم يستطيع أن يمسك بيد أبنائه في كل خطوة من خطوات العمر، لكنهما يستطيعان أن يتركا في قلوبهم ما يهديهم إذا التبست عليهم الطرق، فالتربية الحقيقية لا تقاس بعدد الأوامر، ولا بصرامة الرقابة، بل بما يبقى في النفس من أثر بعد غياب المربي، وسيظل أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم قلبًا يعرف الحق، وعقلًا يحسن الاختيار، وروحًا لا تنجرف مع كل تيار.
ولعل اختيار الحديث عن الأبناء والعناية بهم في خطبة الجمعة في جوامع المملكة ليس مجرد تذكير بواجب تربوي معروف، بل رسالة مجتمعية عميقة تستشعر حجم التحديات التي تحيط بالناشئة في هذا العصر.
فالأبناء أمانة أودعها الله في أعناق آبائهم وأمهاتهم، والعناية بهم لا تبدأ من توفير احتياجاتهم المادية، بل من بناء عقيدتهم، وترسيخ قيمهم، وفتح أبواب الحوار معهم، ومعرفة أصدقائهم، ومتابعة ما يتعرضون له في بيئاتهم الواقعية والرقمية.
غير أن مسؤولية الحماية لا يمكن أن يحملها طرف واحد وحده، فالأسرة هي خط الدفاع الأول، والمدرسة شريك في بناء الوعي، والمسجد منارة للقيم، ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المختلفة تتحمل نصيبها من المسؤولية في صناعة بيئة آمنة تحتضن أبناءنا وتحفظهم من أسباب الانحراف.
أما الحلول الحقيقية فلا تكمن في التضييق وحده، ولا في المراقبة المستمرة، بل في صناعة الثقة، وتعزيز الانتماء، وغرس الوازع الديني، وتشجيع الصحبة الصالحة، وملء أوقات الأبناء بما ينفعهم، وتعليمهم مهارات التفكير والاختيار الواعي في عالم تتدفق فيه المؤثرات من كل اتجاه.
فحين نجمع بين التربية والإيمان، وبين المتابعة والحوار، وبين التوجيه والمحبة، نكون قد وضعنا أبناءنا على الطريق الأكثر أمنًا واستقامة، فالمستقبل الذي نحلم به لوطننا يبدأ اليوم من بيت مطمئن، وقلبٍ مؤمن، وابنٍ صالح يعرف من يكون، وإلى أي القيم ينتمي، وأي طريق يستحق أن يسلك، فهناك تبدأ الحماية الحقيقية، وهناك يربح المجتمع معركته الأهم، لا حين يحمي أبناءه من الانحراف فحسب، بل حين يصنع منهم رجالًا ونساءً يحملون القيم ذاتها إلى الأجيال القادمة.
ودمتم سالمين.