د. رنا بنت عبدالله الغامدي
بعد أولمبياد لندن 2012، كان السباح الأمريكي مايكل فيلبس قد حقق ما يحلم به أي رياضي في العالم؛ وأصبح أكثر الرياضيين حصولًا على الميداليات في تاريخ الألعاب الأولمبية، خرج من الماء محاطًا بالتصفيق والكاميرات وعبارات الإعجاب.
لاحقًا، تحدث فيلبس في أكثر من مقابلة وظهور إعلامي عن مرحلة نفسية صعبة عاشها بعد الأولمبياد، وعن ذلك الفراغ الذي قد يداهم الرياضي بعد أن تنطفئ أضواء المنافسة.
ففي عالم الرياضة يُعرف هذا الشعور أحيانًا بـ«اكتئاب ما بعد الأولمبياد»؛ فبعد أن يقضي الرياضي سنوات طويلة وهو يتدرب من أجل لحظة واحدة، تأتي لحظات المجد الكبرى وتنتهي أسرع مما توقع.
يصفق الجمهور، تُقلد الميداليات، وتُرفع الأعلام، ثم يهدأ كل شيء.
المهم في قصة فيلبس أنها تكشف شيئًا إنسانيًا يحدث بصور مختلفة لكل من عاش طويلًا تحت ضغط هدف كبير، ثم وجد نفسه فجأة في هدوء لا يشبه إيقاع أيامه السابقة.
هذا الشعور لا يخص الرياضيين وحدهم.
هو يحدث للطالب بعد التخرج، ويعيشه الباحث بعد الدكتوراه.
ويحدث للموظف بعد الترقية المنتظرة، وللمسؤول بعد الوصول إلى المنصب، وللإنسان بعد التقاعد حين يصبح الوقت متسعاً أكثر من المعتاد.
هناك صورة خاصة من هذا الشعور تظهر بعد الخروج من منصب قيادي.
فمن اعتاد أن يكون في موقع القرار، وأن تمر عبره الملفات، قد يجد العودة إلى الدور العادي داخل المنظومة تجربة نفسية غير سهلة. ليس لأن الإنسان بطبعه يبحث عن السلطة، بل لأن المنصب يغير وتيرة الحياة اليومية، ويمنح صاحبه شعورا مستمرا بالتأثير والمسؤولية.
وحين ينتهي هذا الدور، قد تظهر أعراض انسحابية ناعمة: فراغ في الوقت، حساسية من التجاهل، شعور بأن الصوت لم يعد مسموعا كما كان، ارتباك في تعريف الذات، وربما حنين إلى الزحام والمشاغل ذاتها التي كان يتضجر منها سابقاً.
ولعل من يمر بهذه التجربة يحتاج إلى وقت كي يتصالح مع فكرة أن قيمته لم تكن في الكرسي، وأن قيمته لا تنقص بانتهاء التكليف، وأن اللعب ضمن الفريق لا يقل أهمية عن قيادة الفريق نفسه.
والأصعب أحيانا أن المنظومة لا تعرف كيف تستقبل العائدين من المواقع القيادية.
فإما أن تبالغ في تجميدهم داخل لقبهم السابق، أو تتعامل معهم كأن تجربتهم انتهت تماما. وبين الأمرين، يحتاج القائد السابق إلى مساحة كريمة يعيد فيها تشكيل دوره: مستشارا، موجها، داعما، أو عضوا فاعلا لا يحتاج إلى المنصب كي يشعر بقيمته.
حتى التقاعد، رغم أنه يبدو للبعض راحة مستحقة، قد يحمل في داخله شيئا من الحيرة.
الإنسان الذي اعتاد أن يعرف نفسه من خلال مكتبه، ومواعيده، وقراراته، وزملائه، والبريد الممتلئ، يجد نفسه فجأة أمام وقت فائض.
يحتاج إلى معنى جديد.
فليس سهلا أن ينتقل الإنسان من حياة مليئة بالمسؤوليات إلى صباح خالٍ من الاجتماعات.
ولعل في كيمياء الدماغ ما يفسر شيئًا من هذا الشعور. فالدوبامين، المرتبط بالمكافأة والدافعية، يرافقنا أثناء السعي والانتظار والاقتراب من الهدف، ومعه قد يعيش الجسد تحت تأثير الكورتيزول، هرمون التوتر، خاصة في فترات الضغط والترقب. أما الأدرينالين، فيحضر في لحظات الاستنفار والحماس، حين نشعر أننا أمام تحدٍ كبير أو على وشك الوصول.
وحين يتحقق الإنجاز، ونصل للقمة، يخفت كل ذلك الزخم الذي كان يشعل الحماس. لذلك قد يكون «فقدان الشغف» بعد الإنجاز هو استجابة طبيعية لجسد وعقل عاشا طويلًا في حالة استنفار، ثم وجدا نفسيهما فجأة في منطقة الهدوء والراحة. مثل المسافر الذي وصل بعد طريق طويل، لكنه يحتاج أن يرتاح قبل أن يفتح حقائبه.
الحياة لا تنتهي عند مغادرة القمم.
القمة جميلة، لكنها ليست بيتاً دائما، وما بعد الإنجاز هي مرحلة تستحق التأمل. فالإنسان لا يختصر بالشهادات والميداليات المعلقة على الجدار، ولا بالألقاب والمناصب التي تسبق الأسماء. لذلك من الحكمة أن نستمتع برحلتنا في الحياة دون أن نذوب في خضم الأهداف الكبيرة.
نحتاج أشياءً تعيد للروح توازنها، هواية مؤجلة، سفر هادئ، قراءة كتاب لطيف، لقاء مع صديق بدون مناسبة، أو شرب كوب شاي في مساء لا نريد أن نبرهن فيه شيئًا لأحد.