خالد محمد الدوس
قبل عام 2018، كانت الثقافة في مملكتنا الغالية موزعة على جهات متعددة: وزارة التعليم (التي كانت تشرف على الثقافة العامة)، وزارة الإعلام (التي كانت تدير قطاع النشر والإنتاج الفني)، والرئاسة العامة لرعاية الشباب (وزارة الرياضة حاليا)، «كانت تشرف على الأندية الأدبية والثقافية». هذا التوزيع أدى إلى تشتت الجهود، وتضارب السياسات، وضعف التمويل، وغياب الرؤية الموحدة!
ولكن جاءت «الإستراتيجية الوطنية للثقافة» التي أطلقتها وزارة الثقافة، لتضع حلاً جذرياً لهذه الإشكالية، من خلال إطار وحدوي يدمج القطاعات الثقافية كافة تحت سقف واحد، ويربطها بأهداف رؤية 2030 بطريقة قابلة للقياس والتقويم. حيث شهدت رحلة القطاع الثقافي في مجتمعنا السعودي الفتي قفزات نوعية.. مع إطلاق الرؤية الطموحة، وتأسيس وزارة الثقافة، وإطلاق الإستراتيجية الوطنية للثقافة، وتأسيس 11 هيئة ثقافية تغطي مختلف القطاعات الثقافية.
ويمثل إطلاق «الإستراتيجية الوطنية للثقافة» تحولاً في التعامل مع الثقافة (كمنتج ثانوي للتنمية) إلى النموذج «الهيكلي البنيوي» (كقطاع مستقل له مؤسساته وسياساته ومؤشراته). واعترافاً بأن الثقافة ليست «ملحقاً» للتنمية، بل هي حقل قوى بذاته، يحتاج إلى تخطيط إستراتيجي، وتوزيع عادل للموارد، وقياس للأثر، وإشراك فاعلين متعددين «قطاع خاص، مجتمع مدني، أفراد».
وبالطبع ارتكزت «الإستراتيجية الوطنية للثقافة» على ثلاث ركائز كبرى، شكلت معاً الإطار الذي انطلقت منه كل المبادرات والبرامج.. الأولى تركز على جودة الحياة، أحد أهداف رؤية 2030، من خلال جعل الثقافة في متناول المواطن في حياته اليومية، وليس في المناسبات فقط. فهي تسعى إلى تحويل الثقافة من نشاط استهلاكي نادر إلى ممارسة يومية، يتعامل معها الفرد كما يتعامل مع التعليم والصحة. وتشمل المبادرات المرتبطة بهذه الركيزة: إنشاء بيوت الثقافة في الأحياء، دعم المكتبات العامة، إتاحة المساحات للفنانين الهواة، وإدراج الأنشطة الثقافية في المناهج التعليمية.. في حين الركيزة الثانية تركز على تطوير الصناعات الإبداعية، وتحويل الثقافة من قطاع «تكلفة» إلى قطاع «استثمار»، ومن ثقافة «الرعاية» إلى ثقافة «الاقتصاد». تستهدف هذه الركيزة رفع مساهمة القطاع الثقافي في الناتج المحلي غير النفطي إلى نسب طموحة، وخلق فرص عمل نوعية في المجالات الإبداعية. كما تشمل المبادرات المرتبطة بهذه الركيزة: إنشاء صندوق التنمية الثقافية، وإطلاق الحاضنات والمسرعات للشركات الناشئة الثقافية، وتنظيم المؤتمرات الاستثمارية الثقافية، وعقد الشراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.
أما الركيزة الثالثة تركز على القوة الناعمة، وتعزيز الحضور الدولي لمملكتنا الغالية كشريك ثقافي فاعل، لا مجرد متلقٍ. تهدف إلى فتح قنوات حوار مع الثقافات الأخرى، وتصدير الإنتاج الثقافي السعودي إلى العالم، وجذب الفعاليات والمؤتمرات العالمية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز ثقافي إقليمي وعالمي. تشمل المبادرات المرتبطة بهذه الركيزة: الأعوام الثقافية مع دول صديقة، برامج التبادل الثقافي، دعم المشاركة في المحافل الدولية والشراكات الأكاديمية والبحثية الدولية.
وبالطبع تُّعد التنمية الثقافية -ومن منظور علم الاجتماع الثقافي- عملية مقصودة تهدف إلى توسيع قدرات الأفراد والمجتمعات على المشاركة في إنتاج الثقافة والاستفادة من الموارد الثقافية، مع ضمان استدامة التراث وتشجيع الإبداع. وهي تواجه عوائق تاريخية طالت التمركز في المدن الكبرى، وهيمنة النخب التقليدية على تعريف «الذوق الشرعي»، وضعف البنى المؤسسية التي تربط التعليم بالصناعة الإبداعية. ولذلك جاءت جامعة الرياض للفنون كإجابة مؤسسية متكاملة على هذه العوائق؛ فهي مؤهلة لأن تكسر احتكار النخب، وتنشر التعليم الثقافي المتخصص خارج العاصمة، وتبني جسراً أكاديمياً ينقل الموهبة الخام من الهامش إلى قلب الصناعات الإبداعية والاقتصاد الوطني. وهي لذلك ليست مشروعاً أكاديمياً عابراً، بل هي حاضنة لتكوين رأس المال الثقافي، أي تلك المهارات والكفاءات والأذواق المشروعة التي تتحول إلى أصول اقتصادية ورمزية وسلطة في الحقل الثقافي.
خصوصا وأن إنشاء جامعة الرياض للفنون التي أشرقت شمسها هذا العام بالقرار الملكي الكريم، يأتي مواكباً لتفعيل «الإستراتيجية الوطنية للثقافة»، وجعلها أقرب إلى «ذراع تنفيذي» لهذه الإستراتيجية، وقد صُممت الجامعة لتكون جامعة حكومية ذات طبيعة خاصة، ومتخصصة بالكامل في مجالات الثقافة والفنون، لتعلن بدء عصر جديد من الإبداع الثقافي والفني في مملكتنا الحبيبة.. وتجسيدا لرؤية 2030 الطموحة في بناء مجتمع حيوي ينعم أفراده بجودة حياة عالية، وإيماناً بأهمية الفنون كرافد أساسي للتنمية المستدامة وصناعة مستقبل واعد للأجيال القادمة.