ثامر الشهراني
بعد مرور مائة يوم على اندلاع الحرب، وفي وقت كان الجميع ينتظر الإعلان عن اتفاق طال الحديث عن تفاصيله، عادت المدافع لتتحدث لساعات محدودة، لتؤكد أن الطريق إلى التهدئة لا يزال مليئاً بالعقبات. فالمفاوضات لم تغادر الطاولة، والحصار ما زال قائماً، والوسطاء يواصلون تحركاتهم، لكن الشيطان ـ كما يقال دائماً ـ يكمن في التفاصيل.
لم تكن الساعات الأربع والعشرون الماضية مجرد جولة عسكرية عابرة، بل كانت اختباراً جديداً لتوازنات القوة في المنطقة. فقد اعتمدت إيران على استراتيجية تقوم على إغراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية بموجات متتالية من الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة والباليستية؛ بهدف استنزاف قدراتها الدفاعية ورفع تكلفة المواجهة. وفي المقابل، واجهت إسرائيل وحلفاؤها هذا التحدي عبر شبكة دفاع متعددة الطبقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر.
وهنا برزت إحدى أهم حقائق الحروب الحديثة؛ فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم التدمير، بل بتكلفة الاستنزاف. فبينما يمكن إنتاج وسائل الهجوم بتكلفة محدودة نسبياً، تبقى تكلفة الدفاع والاعتراض أعلى بكثير، ما يجعل استدامة المواجهة تحدياً استراتيجياً لا يقل أهمية عن نتائجها العسكرية المباشرة.
لكن المشهد يتجاوز الصواريخ والطائرات. فخلف المواجهة العسكرية تستمر معركة أخرى أكثر هدوءاً تتمثل في الحصار والضغوط الاقتصادية والمفاوضات السياسية. فالأطراف كافة تدرك أن أي مواجهة مفتوحة لن تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، وأن الاقتصاد والقدرة على الصمود باتا جزءاً أساسياً من معادلة الصراع.
ولا تكتمل قراءة المشهد دون التوقف عند الساحة اليمنية، حيث يواصل الحوثيون التلويح بورقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارها إحدى أهم أدوات الضغط غير المباشر. فكل تهديد للملاحة الدولية لا ينعكس على أطراف الصراع فحسب، بل يمتد إلى التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة. ومع اتساع دائرة الدول المتضررة ترتفع تكلفة المواجهة على طهران، وتتزايد احتمالات الضغوط والعقوبات الدولية، وهو ما يجعل المكاسب التكتيكية قصيرة المدى عرضة للتحول إلى أعباء استراتيجية طويلة المدى.
من هنا برز العامل الأمريكي بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في المشهد. فواشنطن رأت أن الانتقال من الدفاع إلى هجوم واسع قد يدفع المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة تمتد آثارها إلى المصالح الأمريكية وممرات الطاقة والتجارة الدولية. لذلك جاء الضغط باتجاه احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مرحلة أكثر خطورة، انطلاقاً من قناعة بأن إدارة الأزمة أقل تكلفة من توسيعها.
أما سياسياً، فإن المؤشرات لا توحي بنهاية الحرب. فإسرائيل، رغم إعلانها وقف الهجمات، أكدت أن المواجهة مع إيران لم تُحسم بعد، وأن الصراع مع حزب الله لا يزال قائماً ضمن معادلات ردع جديدة تشكلت خلال الأشهر الماضية، أبرزها معادلة «الشمال الإسرائيلي مقابل الضاحية الجنوبية»، بما يعكس استمرار الصراع وإن تغيرت أدواته أو وتيرته.
وفي هذا السياق، لا يزال المشهد أبعد ما يكون عن نهاية الحرب. فإسرائيل تؤكد أن المواجهة مع إيران لم تُحسم، وحزب الله ما زال جزءاً من معادلة الردع المتبادل، فيما يستمر الحوثيون في التلويح بورقة باب المندب، وتبقى المفاوضات والحصار أدوات ضغط موازية للميدان العسكري.
لذلك قد يكون من الأدق الحديث عن توقف مؤقت لإطلاق النار أكثر من الحديث عن نهاية للصراع. فالمنطقة تعيش هدنة هشة تحكمها حسابات معقدة ومصالح متشابكة، فيما لا تزال ملفات الحرب الأساسية معلقة على طاولة التفاوض.
يبقى السؤال: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أنها دخلت مرحلة جديدة تُدار فيها المعركة بالضغوط الاقتصادية والمفاوضات ومعادلات الردع بدلاً من الصواريخ والطائرات؟ حتى الآن لا تبدو الإجابة واضحة، لكن المؤكد أن مستقبل المنطقة لن تحدده البيانات العسكرية وحدها، بل التفاصيل الصغيرة التي تُصنع خلف الأبواب المغلقة، حيث يكمن الشيطان دائماً في التفاصيل.