د. إبراهيم بن جلال فضلون
إن أوضح علامات الأفول المؤسسي هي تلك اللحظة التاريخية الكارثية التي تتحول فيها الوظيفة العامة من تكليف دستوري لصون الدولة، إلى ملكية عقارية خاصة تُدار بعقلية الابتزاز والصفقات التجارية النفعية.
فعندما يعاد كتابة تاريخ الانحراف الإداري في الديمقراطيات الغربية، فإن الفترات التي تشهد صعود النزعات الاستبدادية ستظل تقدم النماذج الأكثر فجاجة لكيفية تطويع النصوص القانونية لخدمة المآرب الشخصية، وتتجلى هذه الديناميكية بوضوح في الفضيحة الإدارية التي عُرفت بإنشاء «صندوق مكافحة التسييس» بقيمة 1.8 مليار دولار؛ كحالة دراسية نموذجية تلخص فلسفة إدارة دونالد ترمب في الحكم؛ حيث أُبرمت تسوية ملتوية مع وزارة العدل الأمريكية لإسقاط دعوى قضائية ضخمة كان قد رفعها ترمب ضد «مصلحة الضرائب الأمريكية» (IRS) بقيمة 10 مليارات دولار إثر تسريب إقراراته الضريبية، كشفت عن ظاهرة أخطر يصفها بعض علماء السياسة بـ«الخصخصة السياسية للدولة»، أي تحويل مؤسسات الحكم ومواردها العامة إلى أدوات تخدم أجندات شخصية أو شبكات ولاء سياسية بدلاً من خدمة الصالح العام.
اقتصادياً: تكشف القضية عن مفارقة خطيرة، ففي الأدبيات الاقتصادية، تُعرّف الخصخصة بأنها نقل ملكية أو إدارة أصول الدولة إلى القطاع الخاص، أما في حالة السياسية، فإن «الخصخصة السياسية» تحدث عندما تتحول أدوات الدولة نفسها إلى امتداد لإرادة فرد أو جماعة ضيقة، وهُنا لا يتم بيع المؤسسة، بل يتم توظيفها لخدمة شبكة مصالح محددة. والنتيجة واحدة: تآكل الحياد المؤسسي وفقدان الثقة العامة. فأخطر ما في هذه النماذج ليس حجم الأموال المتداولة، بل الرسالة التي تبعثها للأسواق والمستثمرين ممن يبحثون عن الاستقرار أولاً في بيئة يمكن التنبؤ بها.
وتاريخياً: كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها نموذجاً للحكم المؤسسي الذي يفصل بين الشخص والمنصب، لكن الجدل حول هذا الصندوق أعاد طرح سؤال جوهري: هل تستطيع المؤسسات مقاومة نزعة تركز السلطة في يد الأفراد؟ الإجابة جاءت من داخل النظام نفسه، حيث أدى اعتراض الجمهوريين والديمقراطيين والقضاء إلى تجميد المشروع والتراجع عنه، في مشهد يعكس قوة آليات التوازن والرقابة.
وهُنا تبرز علاقة وثيقة بين الاستبداد الإداري والركود الاقتصادي. فكلما تركزت السلطة في دائرة ضيقة، ضعفت آليات الرقابة، وازدادت فرص المحاباة، وتراجعت المنافسة العادلة. ولعل كثير من تجارب دولية أثبتت أن الدول التي تضع المؤسسات فوق الأشخاص تحقق معدلات استقرار اقتصادي أعلى من الدول التي تتمحور حول الزعيم أو النخبة الحاكمة.
صندوق الولاءات المقنع:
تولت الإدارة الترويج لهذا الصندوق تحت شعار براق ومضلل « لتعويض الحلفاء السياسيين والمقربين، وتحديداً أولئك المتورطين في أحداث الشغب واقتحام مبنى الكابيتول في يناير 2021، وبالتالي فإن القراءة الاستقصائية العميقة لآليات عمل الصندوق المفترضة تكشف عن هندسة إدارية فاسدة؛ فقد تم تفصيل شروطه بدقة ليكون بمثابة «مكافأة مالية خلفية «مُخصصة لهم. لتكون «مأسسة المحسوبية» سبب هذا الانحراف الإداري الفج الذي فجّر ظاهرة سياسية نادرة تسمى «الانقلاب الهجين داخل الحزب الواحد»؛ فتمرد المشرعون الجمهوريون بشكل غير مسبوق ضد رئيسهم؛ لخوف حقيقي من غضب دافعي الضرائب والغياب التام لأي رقابة تشريعية على إنفاق هذه المليارات، التي أجبر مسؤولي وزارة العدل في النهاية على إعلان التراجع المخزي عن خطة المضي قدماً في الصندوق.
عندما تعبر المحسوبية الحدود:
فلا يمكن فصل أزمة الصندوق عن الفلسفة الإدارية الأوسع لترمب، والقائمة على «المحسوبية الفجة» (Nepotism) وتمكين الأعوان والأقارب في مفاصل القرار الحيوية، حتى خارجياً بدول أخرى، حيثُ سعى ترمب طوال عهده إلى تحويل الأجهزة الرقابية والعدلية إلى دروع شخصية لحماية مصالحه ومصالح عائلته، مما أدى إلى تآكل الثقة البنيوية في مفهوم حياد الدولة، وتفجير موجات عارمة من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في عدة عواصم ودول حول العالم في عواصم أوروبية وإقليمية للتنديد بهذا السلوك الذي يهدد استقرار المؤسسات الدولية ويسلّع العلاقات الدبلوماسية، محذرة من خطورة صعود «البلطجة الإدارية» كبديل للحوكمة والشفافية الدولية.
السقوط الإداري وكبح الجماح:
فالنظم الدستورية الراسخة تمتلك آليات دفاع ذاتية قادرة على كبح جماح الفساد والاستبداد الإداري مهما بلغ توغله، فاصطدام طموح ترمب غير المنضبط بجدار الرقابة القضائية الفيدرالية، والتمرد غير التقليدي من داخل حزبه، يؤكد أن خصخصة الدولة تظل مشروعاً محكوماً بالفشل العضوي وإجهاض أي خطة ولو كان الصندوق الملياري انتصاراً لآليات الرقابة المتبادلة وتوازنات القوى التي بنيت عليها الدولة الدستورية لمنع تغول السلطة التنفيذية، عندها يسقط أمام مواجه مؤسسات ترفض الانصياع الكلي لإرادة الفرد الواحد.
هل ينطبق هذا النموذج على الحكومات العربية؟
الإجابة ليست واحدة، لأن العالم العربي ليس كتلة سياسية متجانسة، فمنها دولًا قطعت شوطاً كبيراً في بناء مؤسسات رقابية وتشريعية وتنفيذية أكثر فاعلية كالسعودية ومصر، بينما لا تزال دول أخرى تعاني من تداخل النفوذ السياسي والاقتصادي وضعف الشفافية.
لكن الدرس المُشترك أن أي نظام سياسي، شرقياً كان أم غربياً، يصبح عرضة للمخاطر عندما تضعف الحدود الفاصلة بين المال العام والمصالح الخاصة، أو بين المؤسسة والشخص. أما الفرق الجوهري أن بعض الدول العربية تنطلق من نماذج حكم مختلفة تاريخياً ودستورياً عن النموذج الأمريكي، ولذلك لا يمكن إسقاط التجربة الأمريكية عليها بصورة ميكانيكية، ورغم ذلك يبقى المبدأ ثابتاً: (كلما ارتفعت مستويات الشفافية والمساءلة واستقلال الأجهزة الرقابية، تقلصت احتمالات الخصخصة السياسية للسلطة، والعكس صحيح).
وقفة:
التاريخ السياسي والاقتصادي يعلمنا أن الدول لا تنهار عادة بسبب نقص الموارد، بل بتآكل المؤسسات، فقد كشفت أزمة «صندوق مكافحة التسييس» أن الديمقراطيات لا تُختبر في أوقات الهدوء، بل في لحظات الإغراء السياسي واختبار النفوذ. وعندما تتحول السلطة إلى ملكية خاصة، يصبح الفساد سياسة، والاستبداد إدارة، وتتحول الدولة تدريجياً من مؤسسة تخدم المجتمع إلى أداة تخدم أصحاب النفوذ، وهنا تبدأ أخطر مراحل التراجع الإستراتيجي للأمم.