صبحي شبانة
في الأزمات الكبرى التي تعيد رسم خرائط النفوذ وتختبر صلابة المواقف، تبرز الفوارق بين من ينجرف مع الأحداث ومن ينجح في توجيه مسارها، واليوم بينما تتصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران وتلقي بظلالها الثقيلة على أمن المنطقة واستقرارها، تبدو المملكة العربية السعودية أمام اختبار جديد يعكس نضج رؤيتها السياسية وقدرتها على الموازنة بين حماية مصالحها الوطنية وصون استقرار الإقليم، فوسط ضجيج التصعيد، يظل صوت الحكمة أكثر تأثيرًا من صخب المواجهة، وتبقى الواقعية السياسية هي البوصلة التي تهدي الدول إلى بر الأمان، وفي السياسة كما في الحياة، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تملكه من السلاح فقط، ولا بعدد ما تصدره من البيانات والخطابات، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات حين تتعقد، واحتواء المخاطر حين تتصاعد، والحفاظ على مصالحها الوطنية وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.
منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، وما تبعها من تطورات متسارعة ألقت بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها، برزت المملكة بوصفها أحد أكثر الأطراف قدرة على إدارة المشهد بواقعية سياسية لافتة، بعيدًا عن الانفعال، وأبعد ما يكون عن ردود الفعل المتسرعة التي كثيرًا ما تدفع المنطقة أثمانها لعقود طويلة.
فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ سنوات طويلة، الولايات المتحدة توجه ضربات عسكرية لإيران، وإيران تسعى إلى الرد بوسائل مختلفة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، فيما تتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة تتراوح بين الاحتواء المحدود والانفجار الواسع، وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الأهم: كيف تتصرف الدول الكبرى في الإقليم؟
وهنا تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج مختلف في إدارة الأزمات، ليس لأنها بعيدة عن دائرة التأثير، بل لأنها ربما الأكثر تأثرًا بما يجري بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي ودورها السياسي ومكانتها الدينية، لكن ما يميز السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة هو أنها انتقلت من مرحلة التعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثًا طارئة إلى مرحلة بناء استراتيجية شاملة لإدارة المخاطر والتحولات الإقليمية والدولية.
لقد أدركت المملكة مبكرًا أن الشرق الأوسط يدخل عصرًا جديدًا تتراجع فيه الثوابت القديمة، وتزداد فيه سيولة التحالفات، وتتغير فيه موازين القوة بصورة متسارعة، وأن الحكمة تقتضي بناء سياسة قائمة على تنويع الخيارات لا الارتهان لخيار واحد، وعلى إدارة التوازنات لا الانجراف خلف الاستقطابات، ومن هنا يمكن فهم الموقف السعودي من الأزمة الراهنة، فالمملكة لم تنخرط في لغة التصعيد، ولم تتبنَّ خطابًا يدفع نحو المواجهة المفتوحة، وفي الوقت نفسه لم تتخلَّ عن ثوابتها المتعلقة بأمنها الوطني وأمن المنطقة واستقرارها، إنها سياسة تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ العمق: حماية المصالح الوطنية أولًا، والعمل على تجنيب المنطقة كلفة الحروب الكبرى ما أمكن،
ولعل هذا ما يفسر الحراك الدبلوماسي السعودي المكثف خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو الدولية.
فالمملكة لم تعد تنظر إلى نفوذها باعتباره نتاج القوة الاقتصادية فقط، رغم أنها تمتلك أكبر اقتصاد عربي وأحد أكبر الاقتصادات المؤثرة عالميًا، بل باتت تدرك أن النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين يقوم على مزيج متكامل من عناصر القوة الصلبة والناعمة والذكية، فهي دولة تمتلك ثقلًا اقتصاديًا هائلًا، وتتحكم في جزء مهم من استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتملك موقعًا جيوسياسيًا يجعلها محورًا رئيسيًا في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، وفي الوقت نفسه، تتمتع بمكانة معنوية ودينية فريدة باعتبارها حاضنة الحرمين الشريفين وقبلة أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم.
كما نجحت خلال السنوات الماضية في تعزيز حضورها الدولي من خلال رؤية 2030 التي لم تعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبحت إطارًا إستراتيجيًا يعيد تعريف موقع المملكة في النظام الدولي الجديد، ولهذا فإن الرياض تدرك جيدًا أن أي اضطراب واسع النطاق في المنطقة لن تكون آثاره محصورة داخل الحدود الجغرافية للدول المتصارعة، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية والأمن الإقليمي، ومن هنا جاءت مقاربتها القائمة على تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية كلما كان ذلك ممكنًا، ولا يعني ذلك غياب القوة أو التردد في الدفاع عن المصالح الوطنية، فعلى العكس تمامًا.
فالسياسة السعودية الحديثة قامت على قاعدة واضحة مفادها أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن الحوار يكون أكثر فاعلية حين يستند إلى دولة قوية واثقة من نفسها وقادرة على حماية مصالحها،
وخلال السنوات الماضية نجحت المملكة في بناء منظومة متكاملة من عناصر القوة الوطنية، شملت تحديث القدرات العسكرية، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، وتنويع الشراكات الدولية، وهذا ما منحها مساحة واسعة للحركة في بيئة إقليمية بالغة التعقيد.
وإذا كانت بعض دول المنطقة تنظر إلى الأزمات باعتبارها فرصة لتسجيل نقاط سياسية أو إعلامية، فإن المملكة تبدو أكثر انشغالًا بمنع تحول الأزمات إلى كوارث استراتيجية تهدد الجميع، فالقيادة السعودية تدرك أن إشعال الشرق الأوسط قد يكون سهلًا، لكن إطفاء حرائقه يحتاج سنوات وربما عقودًا، كما تدرك أن الشعوب هي أول من يدفع ثمن الحروب، وأن التنمية والاستقرار لا يمكن أن يزدهرا في بيئة يسودها الصراع المستمر.
إن السياسة السعودية تبدو اليوم أقرب إلى مدرسة الواقعية السياسية التي توازن بين المبادئ والمصالح، وبين الطموح والحذر، وبين القوة والحكمة، إنها واقعية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع، وإنما تعني فهمه جيدًا والتعامل معه بأدوات فعالة تحقق الأهداف بأقل قدر ممكن من الخسائر، ولعل ما يمنح هذه المقاربة أهميتها أن العالم نفسه يشهد تحولات غير مسبوقة، فالنظام الدولي الذي عرفناه لعقود طويلة يتغير، ومراكز القوة تتعدد، والاقتصاد العالمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، وسلاسل الإمداد الدولية أصبحت أكثر حساسية تجاه الأزمات الجيوسياسية، وفي مثل هذا السياق، تصبح الدول القادرة على إنتاج الاستقرار أكثر أهمية من الدول القادرة على إنتاج الصراعات، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة السعودية.
المملكة لم تعد مجرد لاعب إقليمي مؤثر، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في معادلات الاستقرار الاقتصادي والطاقة والتوازنات الدولية، ولذلك فإن صوتها يحظى باهتمام متزايد في العواصم العالمية، كما أن مواقفها باتت تُقرأ باعتبارها جزءًا من حسابات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ومع استمرار الأزمة الأمريكية الإيرانية، وما قد يترتب عليها من تطورات غير متوقعة، تبدو المملكة متمسكة بخيار العقلانية السياسية، فهي تدرك أن حماية المنطقة لا تكون بالمغامرات، بل بالحكمة، ولا تكون بالانفعالات، بل بحسابات دقيقة للمصالح والمخاطر، ولا تكون بردود الأفعال المؤقتة، بل ببناء استراتيجيات طويلة المدى قادرة على استيعاب التحولات الكبرى.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنجح في عبور الأزمات ليست بالضرورة الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر قدرة على قراءة المشهد واستشراف المستقبل واتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة،
وهذا بالضبط ما تعكسه السياسة السعودية اليوم، ففي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية، تبدو المملكة وكأنها تدير الأزمة بعقل الدولة التي تعرف حجم مسؤولياتها، وتدرك وزنها الحقيقي في المنطقة والعالم.
وربما لهذا السبب أصبحت الرياض في نظر كثير من المراقبين إحدى أهم ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط، ليس لأنها بعيدة عن الأزمات، بل لأنها تمتلك من الحكمة والقدرة والواقعية ما يجعلها قادرة على التعامل معها دون أن تتحول إلى جزء من الفوضى.
وفي عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، تبقى هذه الواقعية السياسية السعودية واحدة من أهم عناصر القوة التي لا تحمي المملكة وحدها، بل تسهم في حماية المنطقة بأسرها من الانزلاق إلى سيناريوهات لا يريدها أحد، ولا يملك أحد القدرة على تقدير كلفتها الحقيقية إذا وقعت.