د. غالب محمد طه
منذ سنوات طويلة، كنت في المرحلة الثانوية، حين وقعت بين يدي رواية ظلت حبيسة ذاكرة الصبا: «الشاعر» -سيرانو دي برجراك- كما أعاد صياغتها مصطفى لطفي المنفلوطي. كنت جالساً على كرسي في حرّ صيفٍ قائظ في الخرطوم، في حي لم تكن الكهرباء فيه مستقرة ولا رفاهية أجهزة التكييف متوفرة، أحاول أن أجد ما يبدد تلك الساعات الطويلة التي كانت تمتد ببطء في العطلات، وربما ما يخفف شيئاً من ارتباك المراهقة وأسئلتها الكثيرة.
لم أكن أعرف آنذاك أن تلك الصفحات ستبقى معي كل هذا العمر، لكنني أذكر ذلك اليوم جيداً.
لم يكن ما شدني إلى الرواية حبكتها أو أبطالها أو حتى نهايتها، بل سيرانو نفسه. كان فارساً وشاعراً بليغ اللسان، لكنه يعيش أسيراً لأنف ضخم جعله يظن أن الحب خُلق لغيره. أحب روكسان، لكنها أحبت شاباً وسيماً اسمه كريستيان، ولم يكن أمامه إلا أن يمنح منافسه كلماته ويحتفظ لنفسه بصمته. فكانت الرسائل التي وقعت روكسان في حبها من صنع سيرانو، بينما نُسبت إلى رجل آخر. وظل يحمل هذا السر سنوات طويلة حتى اكتشفت، في لحظات الوداع الأخيرة، أن الروح التي أحبتها كانت أقرب إليها مما ظنت.
ربما لهذا بقي سيرانو في ذاكرتي. لم يكن جميلاً، لكنه كان يملك شيئاً آخر لا يُسمّى بسهولة. كنت أقرأه وأشعر، لأول مرة، أن هناك مكاناً في العالم لمن لا يلفت الأنظار من النظرة الأولى، لكنه يملك ما يقوله حين يحين وقت الكلام.
واليوم، حين أستعيد تلك الذكرى، يراودني سؤال لم يخطر ببالي وقتها: ماذا لو وصلتني تلك القصة بالطريقة التي تصل بها القصص إلى المراهقين الآن؟
أتخيل خوارزمية يوتيوب وهي تقدم ملخصاً للرواية في دقيقة واحدة: رجل يحب امرأة، لكنه لا يجرؤ على مصارحتها، ثم يموت في النهاية. انتهت القصة.
لكن أين ستذهب ليالي السهر التي كتب فيها الرسائل باسم غيره؟ وأين ستذهب مرارة أن يرى المرأة التي يحبها تقع في غرام كلماته دون أن تعرف أنها كلماته؟ وأين سيذهب ذلك الصراع الطويل بين ما يشعر به الإنسان وما يستطيع قوله؟
هناك أشياء في القصص لا نفهمها في وقتها. تمرّ بنا مروراً خفيفاً، ثم تعود بعد سنوات كأنها كانت تنتظر أن يتغير فينا شيء ما.
وربما لهذا أصبحنا نبحث عن خلاصة الأشياء. نريد معرفة ما تحمله الفكرة في سطر، وتفاصيل الكتاب في دقائق، واختصار القصة في مشهد واحد فقط.
أشاهد أحياناً فيلماً رائعاً، ثم أكتشف بعد أيام أن ما بقي منه مجرد لقطات تلوح أمامي أحياناً. وفي المقابل، ما زالت هناك جمل قرأتها قبل خمسة عشر عاماً تعود إليّ بلا موعد، فأجدها حاضرة كما لو أنني قرأتها بالأمس. لا أعرف تفسيراً دقيقاً لذلك، لكن يبدو أن الأشياء التي نمكث معها طويلاً تجد طريقها إلى مكان أعمق في داخلنا.
وربما لهذا السبب صرت ألاحظ أكثر كيف تغيّر شكل الانتباه من حولنا. يكفي أن تراقب الأطفال لبعض الوقت لتدرك أن شيئاً ما لم يعد كما كان. ترى طفلاً يحمل هاتفاً أكبر من يده، يمر على المقاطع واحداً تلو الآخر، فلا يكاد يتوقف عند شيء قبل أن ينتقل إلى ما يليه. وأفكر أحياناً أن الملل نفسه، ذلك الملل الذي كنا نتذمر منه ونحن صغار، كان يمنحنا على الأقل فرصة لأن نجلس مع أفكارنا قليلاً.
وحين أصبحت أباً، اكتشفت أن السؤال لم يعد يخصني وحدي.
قبل أيام طلبت من ابني أن يترك الهاتف قليلاً ويشاهد قصص الصحابة. ابتسم، فظننت أنه استجاب. لكنه عاد بعد دقائق وقال ببساطة:
«شاهدتها. كانت قصيرة. خلصت».
لم يقصد شيئاً سيئاً. كان يتحدث بالطريقة التي تعود أن يتلقى بها العالم من حوله. لكنه كان قد شاهد ملخصاً لقصة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ثلاث دقائق فقط. ثلاث دقائق مرت على حياة رجل غيّر مجرى التاريخ، ثم انتهت كما ينتهي أي مقطع آخر.
لم تكن المشكلة في الفيديو، بل في أن يصبح الملخص بديلاً عن التجربة.
وقتها فهمت أن الفارق الحقيقي ليس بين جيل وجيل، ولا بين الورق والشاشة، بل بين من يمر على القصة سريعاً ومن يعيش معها.
لست ضد الاختصار، فالاختصار أداة نافعة في زحام المعلومات. لكن الاختصار الذي لا يدع وقتاً للدهشة، ولا يترك مسافة للتنفس، يقتل جوهر الحكاية قبل أن تبدأ.
ولا أقول هنا إن المشكلة في الفيديو نفسه. فأنا أكتب الآن عبر شاشة، وأنت تقرأ عبر شاشة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الانتقال من شيء إلى آخر أسرع من أن يترك أي شيء أثره فينا.
في نهاية المسرحية يموت سيرانو وهو يحمل سره معه: أنه كان شاعراً وأنه أحب. وفي صياغة المنفلوطي يصبح المشهد أكثر قرباً من القلب، كأن روحاً أخرى أضيفت إلى الحكاية. أما في ملخص سريع، فقد لا يبقى من كل ذلك سوى جملة واحدة:
«ومات في النهاية».
وربما لهذا أشتاق أحياناً إلى ذلك الفتى الذي كان يقرأ ببطء، ولا يعرف أن بعض الصفحات سترافقه طوال العمر.
ما بقي من ذلك الفتى هو بالضبط ما لا تستطيع الخوارزميات اختزاله: قدرتي على التوقف قليلاً، وعلى التأمل، وعلى أن أترك لنفسي مساحة أحزن فيها لموت سيرانو بدلاً من أن أمر عليه كخبر أو تلخيص. بقي ذلك الصوت الداخلي الذي ما زال يؤمن بأن بعض الأشياء لا تُفهم على عجل، وأن التجارب التي تستحق أن تعيش معنا تحتاج، قبل أي شيء، إلى شيء من الوقت.
وأفكر الآن أن ذلك الفتى لم يختفِ، بل يمشي معي ببطء، كلما أسرع العالم من حولي. وكلما حاولت أن أكتب، أدركت أنني لا أبحث عنه، بل أحاول ألّا أفقده.