نجلاء العتيبي
«سَوُّوا لي الكيف وأرهوا لي من الدلة، البن الأشقر يُداوي الراس فنجاله». -شاعر الوطن خلف بن هذال.
وأنا أرتشف فنجالًا من القهوة السعودية، تتجاوز المتعةُ حدودَ المذاق والرائحة إلى مساحة أوسع من التأمُّل والامتنان؛ فالقهوة هنا ليست مشروبًا يوميًّا فحسبُ، وإنما حكاية وطنٍ تتجسَّد في فنجالٍ، تبدأ من شجرةٍ نمتْ في جبال الجنوب، وتمرُّ بمراحل من العناية والإتقان، حتى تصل إلى يد مَن يتذوَّقها.
في كل رشفةٍ تحضر تفاصيل كثيرة؛ الأرض التي احتضنت الشجر، والسُّحُب التي مرَّت فوق المدرجات الزراعية، والأيادي التي رعت الثمار حتى اكتمل نضجها؛ لهذا تبدو القهوة السعودية أكثر من منتج زراعي، فهي جزء من الذاكرة الوطنية، وصورة من صُور الكرم التي ارتبطت بثقافة المجتمع عبر عقود طويلة.
ومع ما يشهده قطاع البن السعودي من تطوُّر متسارع، يزداد الشعور بالفخر عندما نرى هذا المنتج الوطني يصل إلى الأسواق العالمية، ومنها روسيا، حاملًا معه اسمه وهويته وجودته، فالعالم لا يمنح ثقته إلا لما يثبت قيمته، وما تحقَّق اليوم يُؤكّد أن المنتج السعودي قادرٌ على المنافسة حين يجتمع الإرث العريق مع العمل المتقن والرؤية الواضحة.
إن وصول البن السعودي إلى أسواق دولية متعددة ليس مجرد توسُّع تجاري، وإنما شهادة على جودة ما تنتجه هذه الأرض المباركة؛ فخلف كل حبة بن قصة جهدٍ طويلٍ، وخبرةٍ متراكمةٍ، وإيمانٍ بأن الموارد الوطنية قادرةٌ على أن تتحوَّل إلى منتجات تحظى بالتقدير والاحترام.
وأمام هذه النجاحات يتجدَّد الحمد لله على ما أنعم به على وطننا من خيرات وفرص وإمكانات، فكم من مشروع بدأ صغيرًا ثم نما حتى أصبح عنوانًا للتميُّز، وكم من فكرةٍ تحوَّلت إلى واقع يبعث الاعتزاز في النفوس، وما نراه اليوم في قطاع البن السعودي مثال واضح على أن الاستثمار في الجودة والمعرفة والعمل الجاد يُثمر نتائج تتجاوز الحدود.
فالقهوة السعودية ما زالت محافظة على أصالتها، وفي الوقت نفسه تمضي بثقة نحو المستقبل، تحمل ملامح المكان الذي جاءت منه، وتُقدّم للعالم صورة مشرقة عن وطنٍ يعتزُّ بجذوره، ويواصل صناعة منجزاته، ولهذا فإن الفنجال الذي بين أيدينا لا يختصر نكهةً محبَّبة فحسبُ، وإنما يختصر رحلة نجاحٍ تستحقُّ أن تُروى.
وفي ختام هذه اللحظة الهادئة مع فنجال القهوة، لا أملك إلا أن أحمد الله على وطنٍ تتنوَّع خيراته، وتتسع آفاقه، وتزدهر منتجاته يومًا بعد يومٍ، فالبن السعودي اليوم ليس محصولًا زراعيًّا فحسبُ، وإنما قصة نجاح وطنية تحمل عبق الأرض، وصدق الجهد، وطموح المستقبل.
ضـــــوء
«حين تتحوَّل ثمار الأرض إلى رسالةٍ تعبر البحار، يُدرك الإنسان أن الجودة حصيلةُ عنايةٍ مُتقنةٍ، ومواطنٍ يسعد برؤية منجزات وطنه تبلغ العالم، وأن العمل المخلص يملك لغةً يفهمها الجميع مهما اختلفت المسافات والثقافات».