صالح الشادي
كثيرون كتبوا عن طلال مداح ومحمد عبده، لكنني اليوم أكتب بلسان الصديق لا بلسان الناقد، بقلب المحب الذي عاش تلك المرحلة الذهبية، وتشرب من عبقهما، وتعلم منهما معنى أن يكون الفن إخلاصاً وروحاً.
عرفت طلال رحمه الله قبل محمد بزمن. كان ذلك في بدايات الثمانينيات، وتحديداً في بيته القديم بجدة، برفقة الموسيقار الجميل سامي إحسان رحمه الله.
وما إن دخلت حتى غمرني طلال بفيض من الاحتواء لم أعهده من قبل. قال لي بهدوء إنه يتابع ما أنشر من شعر، فظننتها مجاملة عابرة، لكنه أشار إلى مطلع إحدى قصائدي وطلب مني أن أسمعها له. في تلك اللحظة أيقنت أنني أمام فنان لا يحترف الصوت فقط، بل استاذ يحترف الإحساس. تعددت اللقاءات بعد ذلك، وتوجت معرفتي به بخمسة أغان عاطفية لحنها من كلماتي، بالكامل، ومنها «عناد» و«دقة الساعة عشر».
كان طلال، رحمه الله، أقرب إلى الهاوي العاشق لفنه، طيباً، كريم الذات، لا يخلو حديثه من دعابة خفيفة، ولا يحمل في قلبه غلاً لأحد. لم يكن يبالغ في ضبط المواعيد ولا يتشدد في التفاصيل الصغيرة، لكن في داخله كانت تكمن موهبة لا تضاهى، وعبقرية لا تهدأ. كان ظاهره كباطنه، لا يتغير في حضوره كما لا يتغير خلف الأسوار، طلال كما عرفته دائماً: روح نقية ترتدي جسد فنان.
أما الأستاذ محمد عبده، فبدأت علاقتي به بعد ذلك بسنوات، وما زلنا في الثمانينيات أيضاً. جمعني به الموسيقار محمد شفيق رحمه الله في بعض الأعمال الخاصة، ثم تطورت الأمور عبر الأعمال الوطنية، وكان أجملها ذلك اللقاء الذي جمعني بالقامتين في أوبريت «كفاح أجيال» ضمن المهرجان الوطني للثقافة والفنون بالرياض.
كان محمد -ولا يزال- أكثر انضباطاً وحباً للدقة، يحرص على المواعيد كما يحرص على نبرة صوته، يعطي للبروفات وقتها كاملاً، ويفصل بين أوقات الجد وأوقات المزاح والدعابة بحكمة. لكن الأجمل أنه كان، مثل طلال، قريباً من الأسرة الفنية، حاضراً في مناسباتهم، لا يتغيب عنها، ولم يمنعه حب الإتقان أن يكون دافئاً قريباً.
كان الفن في جدة في تلك الأيام أجواء أصدقاء ومحبين، كنا نتزاور في البيوت بلا تكلف: عبادي الجوهر، علي عبدالكريم، محمد عمر والشباب عبدالمجيد عبدالله. طلال سلامة، عبدالله رشاد، وغيرهم، إلى جانب كبار الملحنين: طلال باغر، سراج عمر، غازي علي سامي احسان عمر كدرس رحمهم الله، وعبدالرب إدريس، ومحمد المغيص.. وغيرهم .
الى جانب بعض الاصدقاء من اهل الشعر والموسيقى والنقد والصحافة .. تقريباً لم يكن يمر أسبوع دون لقاء، وكان اللقاء فناً وورش عمل تارة، وصحبة وثقافة وترفيهاً تارة أخرى. الأجمل في تلك المرحلة أن روح التعاون كانت تسود الجميع، يستمعون إلى أعمال بعضهم البعض ويشيرون بالتعديل والاضافة دون مكر أو ريبة، كنا أسرة حقيقية واحدة يجمعها الود والحب . وكان طلال ومحمد، الشمس والقمر في سماء ذلك الزمن الجميل، كأخوين يجمع بينهما حب عظيم واحترام عميق ورابطة إبداعية لا توصف. وهو الامر الذي اعرفه جيدا وعايشته .. لكن الحياة الفنية لم تسلم من «تحزبات» شبابية، بعضهم يميل إلى فن طلال وبعضهم إلى فن محمد، حتى وصل الأمر إلى الصحافة التي وجدت في الطرفين مادة للإثارة. كان بعض الصحفيين يثيرون تفاصيل لا تعني العامة، ليخلقوا ما يشبه التنافس بين «الطلالية» و»العبداوية». كانت الساحة تشتعل أحياناً، لكنني في الغرف المغلقة كنت أشهد ضحكة طلال الصافية وابتسامة محمد الوادعة وهما يتابعان ما يدور في الخارج، وكأنهما يمتعضان على مشهد لا يعنيهما. استمر الحب الأصيل بينهما، واستمر ذلك «التنافس الحميل» الذي لم يفسد وداً، واستمرا معاً يغنيان للوطن وللحب وللجمال، كل بطبيعته وأسلوبه، وهذا ما جعل كل منهما عظيماً على طريقته.
رحل طلال، رحمه الله، وبقي إرثه الفني خالداً، وبقي محبوه يرددون أعماله كأنها نسمة لا تجف. وبقي الأستاذ محمد عبده على حاله، لم يتغير، لم يحيد عن روائعه ولا عن فنه الجميل، ولا عن حبه لوطنه ومحبيه.
ما زلت أحتفظ بالكثير من التسجيلات الخاصة لكليهما، أستمع إليها بين الحين والآخر. فيها لحن، وفيها طرافة، وفيها ضحكة، وفيها تعليق عابر يضيء وجهاً قديماً. أجل، أستمع وأستعيد التاريخ مع هاتين القامتين، ثم أرفع بصري إلى الساحة الفنية اليوم، فأبتسم بصمت، وأغلق النافذة.
حتى هذا اليوم يبقى الطلالي طلالي، والعبداوي عبداوي، لكن الحب يجمع قلوبنا جميعاً، والوطن يجمعنا جميعاً. ويبقى كذلك طلال ومحمد رمزين من أروع رموز الإبداع السعودي، سفراء بلا حدود لفن هذا البلد العظيم وثقافته، لا يغيبان عن الذاكرة، ولا يخفت صوتهما.. في كل سانحة وكل مناسبة.