د. حسين علي غالب بابان
حينما غبت عن الكتابة وعن كثير من الممارسات التي اعتدت عليها في حياتي اليومية الصاخبة، كانت الورود ترافقني في كل مكان فالعمل ما إن يبدأ حتى لا يعلم أحد متى ينتهي سوى الباري عز وجل. وبين ساعات الانشغال الطويلة والالتزامات المتراكمة، كنت أجد في الورود نافذة صغيرة أطل منها على عالم أكثر هدوءًا وجمالًا.
عندما كنت أقرأ بريدي الإلكتروني الذي كاد ينفجر من كثرة الرسائل الواردة إليّ من أعزائي المتناثرين في مختلف دول العالم، لاحظت أن كثيرًا من تلك الرسائل كانت تتضمن صورًا ورسومات لباقات جميلة من الورود، ولقد كانت تلك الصور كفيلة بأن ترسم الابتسامة على وجهي وتمنحني شعورًا بالراحة والطمأنينة مهما كانت ضغوط العمل ومتطلبات الحياة.
أما الجدران المحيطة بي فكانت مغطاة بورق جدران يحمل صورًا لورود متنوعة وخلابة، وكنت أرى في تلك الصور جمالًا يفوق كثيرًا من اللوحات الفنية العالمية التي أبدع في رسمها كبار الفنانين. فالورود تمتلك سحرًا خاصًا لا يمكن تقليده أو منافسته.
هنا لا بد أن أذكر كميات الورود التي وصلتني من كل حدب وصوب، فما زلت أذكر ألوانها الزاهية وعطورها الفواحة وجمالها الساحر، وكان لتأثيرها العلاجي في النفس ما يضاهي أفضل العقاقير الطبية، إذ كانت تبعث في داخلي مشاعر التفاؤل والسكينة والأمل.
إنني أؤمن بأن الورود معجزة من معجزات الخالق، وأتمنى لو أستطيع زراعتها في كل مكان للمساهمة في نشر البهجة والسعادة بين البشر جميعًا.
عدت إلى حياتي المزدحمة وروتينها الممل المكرر، وضعت في أرجاء منزلي ومكتبي باقات من الورود البلاستيكية المصنوعة في الصين، لأنني وبكل صراحة لا أملك الوقت الكافي للاعتناء بالورود الطبيعية، ورغم أنها ليست حقيقية فإنها ما زالت تحتفظ بشيء من السحر والجمال الذي يضفي لمسة مميزة على أي مكان توجد فيه.
في إحدى المناسبات التقيت بأحد الأصدقاء وتبادلت معه أطراف الحديث، فحدثته عن الورود وكيف دخل حبها إلى قلبي من دون استئذان، فابتسم وقال لي الورود جزء من الطبيعة والطبيعة جزء من الفطرة السليمة وجميعنا نمتلك هذه الفطرة لكننا نبتعد عنها بسبب انشغالات الحياة المتزايدة، عندها أدركت أن الورود ليست مجرد نباتات جميلة، بل رسالة مختصرة للغاية تذكرنا دائمًا بضرورة التوازن بين متطلبات الحياة وسكينة الروح.
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا