ريوف بنت عبدالعزيز العمّار
في عالمٍ يتسارعُ فيه الضجيج وتتلاشى فيه المعاني خلف شاشاتٍ ذكية، يبدو التساؤل عن «قوة الكلمة» مشروعًا بل وضروريًا. هل ما زال للحرفِ المكتوبِ صدىً يغيرُ موازين القناعات؟ أم أننا نكتبُ لنملأ الفراغ فقط؟ حينما بدأتُ رحلتي في أروقة «نادي أفق» ومن خلال موقعي في لجنة الكتابة، أدركتُ حقيقةً تختلفُ عما كنتُ أظنه فالكلمةُ ليست مجرد ترتيبٍ لغوي بل هي أداةٌ هندسيةٌ دقيقة قادرةٌ على إعادة صياغة الواقع وبناء جسورٍ من الوعي وتحفيز طاقات كانت تنتظر فقط من يُلهمُها ببيانٍ صادق.
إن المسؤولية التي نتحملها في لجان الكتابة الطلابية تتجاوز صياغة التقارير أو الترويج للفعاليات إنها تكمن في القدرة على تحويل المجرّد إلى ملموس والجامد إلى مُحفّز. في كل مرة أضع فيها القلم على الورق، أتساءل هل هذه الكلمات تحمل قيمةً تلامس حياة من يقرؤها؟
إن الكتابة في الفضاء التطوعي هي أمانةٌ أخلاقية تتطلب من الكاتب أن يكون مراقبًا دقيقًا لتفاصيل مجتمعه وهذا الدور يتضاعف اليوم في ظل الحراك التنموي الكبير الذي تشهده المملكة فالتطوع في أنديتنا الجامعية ليس مجرد نشاط عابر بل هو ترجمة عملية لمستهدفات رؤيتنا الطموحة (2030)، حيث نتحول من متلقين للمعرفة إلى صناع للأثر لنؤكد للعالم أن الشباب السعودي قادرٌ على صياغة مستقبله بيده وبمداد وعيه. نحن في «أفق» لا نكتب لنُسمع بل نكتب لنُغير، مؤمنين بأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ واعٍ تظلُّ حيةً في وعي القارئ أطول بكثير من عمر الحدث نفسه.
في نهاية المطاف وبينما يغرق العالم في طوفان من النصوص المولدة آليًا التي تفتقر إلى النبض تظلُّ الكتابة البشرية الصادقة هي الملاذ الأخير لاستعادة ملامحنا. إن الكلمة التي نختارها بعناية وتلك الفكرة التي نغرسها في مقالٍ تطوعي هي في جوهرها انعكاسٌ لصدقنا وإنسانيتنا التي لا يمكن لأي خوارزمية أن تحاكيها.
إننا كشباب سعودي ونحن نخطو نحو المستقبل نحمل إرثًا غنيًا وقدرةً على الإبداع تتجاوز كل الحدود. أدعو كل شابٍ وشابة ممن يحملون في قلوبهم شغف التغيير أن يدركوا أن أقلامهم هي امتدادٌ لأرواحهم فاكتبوا لا لتملؤوا المساحات الفارغة بل لتتركوا أثرًا يظلُّ حيًا ينمو في وعي المجتمع ويذكرنا دائمًا بأن أعظم التغييرات في تاريخنا لم تبدأ بآلة بل بدأت بكلمةٍ خرجت من إنسانٍ آمنَ بالمعنى وأراد للخير أن يتسع في وطنٍ يمنحنا كلَّ الفرص لنكونَ صوتًا مسموعًا وأثرًا باقيًا.