علي حسن حسون
في السنوات الأخيرة، بدأ يتسلل إلى عقول كثير من الفتيات مفهوم يُعرف بـ«الاستحقاق»، حتى أصبح يُطرح وكأنه حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. فكرة أن الفتاة تستحق رجلًا كامل المواصفات، وحياة مترفة، وسفرًا فاخرًا، ومستوى معيشيًا عاليًا منذ بداية الطريق، وكأن الحياة تُمنح على هيئة أحلام جاهزة لا تحتاج إلى صبر أو تدرّج أو مواجهة للواقع.
وللأسف، ساهم في ترسيخ هذا الفكر بعض من يُطلقون على أنفسهم خبراء تطوير الذات، ممن حوّلوا المنصات والدورات إلى تجارة للكلام المنمّق والشعارات البراقة. يبيعون الوهم تحت عناوين مثل «ارفعي سقف استحقاقك» و«لا تقبلي بأقل مما تستحقين»، دون أي حديث واقعي عن طبيعة الحياة، أو ظروف الناس، أو التحديات الحقيقية التي يواجهها الشباب والفتيات في بناء مستقبلهم.
أصبحنا نرى فتاة تقارن حياتها اليومية بما تشاهده في مواقع التواصل، فتظن أن الزواج الطبيعي البسيط فشل، وأن الرجل المتوسط لا يستحق فرصة، وأن السعادة لا تكتمل إلا بمنزل فاخر وسيارة فارهة وسفر متكرر ومظاهر لا تنتهي. ومع الوقت تتحول هذه التوقعات إلى عبء نفسي واجتماعي يرهق الجميع، خصوصًا الشباب المقبلين على الزواج، الذين باتوا يشعرون أن تكوين أسرة أصبح مشروعًا مرهقًا مليئًا بالاشتراطات والطلبات الخيالية.
المشكلة ليست في الطموح، فالإنسان من حقه أن يطمح للأفضل، لكن الكارثة حين يتحول الطموح إلى أوهام منفصلة عن الواقع، وحين يتم إقناع الفتيات أن الحياة المثالية موجودة فعلًا، وأن أي مستوى أقل منها يُعتبر ظلمًا أو تقليلًا من القيمة. هنا تبدأ الفجوة بين التوقعات والحقيقة، ثم تأتي الصدمة عندما تكتشف بعضهن أن الحياة ليست مقاطع قصيرة في تطبيقات التواصل، وليست صورًا منتقاة بعناية خلفها ديون وضغوط ومشاكل لا تظهر للناس.
الواقع يقول إن أغلب البشر يعيشون حياة متوسطة، فيها الرضا والتعاون والتدرّج، وليس كل رجل قادرًا على توفير حياة مترفة منذ البداية، وليس كل بيت يجب أن يكون نسخة مطابقة لما نراه عند الآخرين. المقارنات المستمرة أفسدت القناعة، وجعلت البعض ينظر إلى النعم بعين النقص بدل الامتنان. كما أن بعض مدربي التنمية البشرية يتحملون جزءًا كبيرًا من هذه الفوضى الفكرية، لأنهم ضخّموا مفهوم «الاستحقاق» حتى صنعوا جيلًا يطلب الكثير ولا يتحمل القليل، يريد النتائج دون تنازلات، والحياة المثالية دون صبر أو مسؤولية. يتحدثون عن الطاقة والجذب والاستحقاق وكأنها قوانين كونية، بينما الواقع يُبنى بالاجتهاد والتفاهم والقناعة والقدرة على التكيّف.
الحياة الزوجية الناجحة لا تقوم على الكمال، بل على المودة والاحترام والقدرة على تجاوز النقص، والبيت السعيد ليس بالضرورة البيت الأغلى أو الأكثر رفاهية، بل البيت الذي يعرف أهله كيف يعيشون بسلام بعيدًا عن المقارنات وضغط المجتمع.
المطلوب اليوم هو العودة إلى الواقعية، وأن تدرك الفتاة أن مواقع التواصل ليست معيارًا للحياة، وأن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر، بل بالراحة النفسية والتفاهم. ليس من المنطقي أن يتحول كل ما يحدث في بيوت الأقارب أو المشاهير إلى معيار يجب تطبيقه في كل منزل، فلكل إنسان ظروفه وقدراته وحياته الخاصة.
القناعة ليست ضعفًا، والبساطة ليست فشلًا، والرضا لا يعني انعدام الطموح، بل يعني أن يعيش الإنسان حياته بعقلانية بعيدًا عن اللهاث خلف سراب صنعه تجار التنمية البشرية ومهووسو المظاهر.