تغريد إبراهيم الطاسان
لم يكن تحذير وزارة الصحة من الانسياق وراء الادعاءات العلاجية المرتبطة بما يُعرف بـ«نظام الطيبات» مجرد تعليق عابر على موجة غذائية متداولة.. التحذير كان جرس إنذار في وجه ظاهرة آخذة في الاتساع.. ظاهرة تحويل الرأي الشخصي إلى حقيقة علمية، والتجربة الفردية إلى بروتوكول علاجي، ومقاطع التواصل الاجتماعي إلى بديل عن المستشفيات والأطباء.
في كل عصر تظهر وصفة سحرية جديدة. مرة باسم الأعشاب، وأخرى باسم الطاقة، وثالثة باسم الحمية الغذائية. تتغير الأسماء والعناوين، لكن الفكرة واحدة: «دع الأدوية جانبًا، واتبعني إلى الشفاء الكامل». وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، ليس في نوع الطعام الذي يتناوله الإنسان، ولكن في الوعد الكبير الذي يتجاوز حدود العلم والمنطق.
لا يوجد طبيب عاقل ينكر أهمية الغذاء الصحي. ولا يوجد باحث محترم يقول إن الطعام لا يؤثر في صحة الإنسان. لكن الفرق كبير بين القول إن الغذاء عامل مساعد في الوقاية والعلاج، وبين الادعاء بأنه يغني عن الإنسولين لمريض السكري، أو عن أدوية القلب، أو عن العلاجات المعتمدة للأمراض المزمنة والخطيرة. ولهذا جاء تحذير وزارة الصحة واضحًا بعدما رُصدت حالات صحية حرجة نتجت عن إيقاف بعض المرضى لأدويتهم اعتمادًا على توصيات متداولة مرتبطة بهذا النظام الغذائي، ما أدى إلى مضاعفات استدعت دخول الطوارئ والعناية المركزة.
المشكلة أن كثيرًا من الناس لا ينجذبون إلى هذه الطروحات بسبب جهلهم، بل بسبب خوفهم. مريض السكري يتمنى أن يستيقظ يومًا بلا إبر وأدوية. ومريض القلب يحلم بحياة لا ترتبط بعلبة دواء يومية. ومريض السرطان يتعلق بأي بصيص أمل يخفف عنه وطأة العلاج. هنا يجد أصحاب الادعاءات العلاجية أرضًا خصبة لبناء سردياتهم، فيبيعون الأمل في صورة يقين، والاحتمال في صورة حقيقة مطلقة.
والمؤسف أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة مثالية لهذا النوع من الخطاب. فالفيديو المؤثر ينتشر أسرع من الدراسة العلمية، والقصة الشخصية تجذب أكثر من البحث الطبي، والناس بطبيعتهم تميل إلى الحكاية البسيطة أكثر من التفسير المعقد. ولذلك نجد آلاف المشاركات تحتفي بحالة تحسنت، بينما تختفي عشرات الحالات التي تدهورت أو دفعت ثمن المغامرة بصحتها بعيدًا عن الأضواء.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انتشار المرض، بل انتشار التشكيك في العلم. فالطب الحديث ليس معصومًا من الخطأ، لكنه يقوم على التراكم المعرفي والتجارب السريرية والرقابة العلمية. أما الوصفات التي تنتشر عبر المؤثرين والمنصات فهي غالبًا لا تخضع لأي معيار سوى قدرتها على الإقناع والتسويق.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين «نظام غذائي» ووزارة الصحة، هي بين منهجين في التفكير؛ منهج يسأل عن الدليل والبرهان والتجربة الموثقة، ومنهج يكتفي بالحكايات والانطباعات والوعود المطلقة. وبينما يحق لكل إنسان أن يختار نمط حياته وغذاءه، فإنه لا يحق لأحد أن يحول قناعاته الشخصية إلى وصفات علاجية قد تدفع الآخرين إلى ترك أدويتهم أو المجازفة بحياتهم.
الصحة ليست ساحة للتجارب، والمرضى ليسوا حقول اختبار للأفكار الرائجة. وحين تصدر الجهات الصحية تحذيرًا كهذا، فهي لا تدافع عن شركات الدواء كما يزعم البعض، بل تدافع عن حق الإنسان في أن يتلقى علاجًا مبنيًا على العلم لا على الظن، وعلى البرهان لا على الشهرة، وعلى المعرفة لا على الضجيج.
ففي النهاية، قد يكون الطعام دواءً مساعدًا، وقد يكون أسلوب حياة، لكنه لا يصبح طبًا لمجرد أن أحدهم قال ذلك، ولا يتحول إلى معجزة لأن آلافًا شاركوا مقطعًا عنه. والعلم، مهما بدا بطيئًا ومملًا، يبقى أكثر رحمة بالناس من الأوهام التي تعدهم بكل شيء ثم تتركهم وحدهم في مواجهة النتائج.