تقرير - وائل العتيبي - خاص لـ«الجزيرة»:
لم تعد الأزياء في السعودية مجرد عروض براقة وأسماء علامات تجارية، بل انتقلت في السنوات الأخيرة إلى مشروع ثقافي يعيد قراءة الهوية الوطنية ويصوغ صورتنا أمام العالم بلغة معاصرة. هذا التحول لم يأتِ مصادفة، بل كان نتيجة رؤية مؤسسية قادتها هيئة الأزياء السعودية، جعلت من الثوب التقليدي سؤالاً مفتوحاً: هل نرتدي القماش، أم نرتدي التاريخ؟
حين خرج التراث من المتحف إلى المدرج
كان «دليل قواعد اللباس» في كأس السعودية لسباقات الخيل مثالاً حياً على هذا التحول. بدا في ظاهره تعليمات حضور مرتبطة بحدث رياضي عالمي، لكنه في جوهره كان نقلة عميقة. أخرج الأزياء التراثية من صمت المتاحف وصفحات التوثيق، وجعلها لغة حية نرتديها ونقدم بها أنفسنا للعالم. هنا تكمن فلسفة الهيئة منذ تأسيسها: أن يصبح الماضي نبض الحاضر، وأن تتحول الذاكرة إلى مشهد يومي لا إلى ذكرى مؤرشفة.
صورة نمطية.. وتنوع لم يُروَ بعد
الأمم لا تُعرّف بحدودها الجغرافية وحدها، بل بصورتها البصرية الراسخة في ذاكرة العالم. الكيمونو يقول يابان، والساري يقول هند، والقفطان يقول مغرب. أما السعودية، ورغم ثراء تنوعها الممتد من جبال عسير إلى سواحل الحجاز، ومن نجد إلى الواحات الشرقية، فقد ظلت لعقود مختزلة في صورة واحدة.
أدركت هيئة الأزياء أن المشكلة ليست في غياب التنوع، بل في غياب السرد. فلم تتعامل مع التراث كإرث يُحفظ خلف الزجاج، بل كمخزون ثقافي يمكن أن يتحول إلى اقتصاد إبداعي وأداة من أدوات القوة الناعمة. الهدف لم يكن استنساخ الماضي، بل إعادة اكتشافه بلغة يفهمها القرن الحادي والعشرون.
الانتماء الحي لا يتجمد في الأرشيف
دليل كأس السعودية لم يكن دعوة لارتداء القديم بحذافيره، بل إعلاناً عن فلسفة جديدة: الانتماء لا يتحقق بتجميد التراث، بل بمنحه القدرة على الحياة داخل تفاصيل يومنا.
وتميزت التجربة السعودية بأنها تجاوزت النموذج الفولكلوري العابر. جمعت بين توثيق المتخصصين ولمسة المصممين والفنانين، فخرجت قطعة تحمل روح الأجداد وصوت الحاضر معاً. هذا المزج هو ما فسّر الاهتمام المتصاعد بالأزياء السعودية عالمياً، حيث لم تعد تُقرأ كأقمشة وزخارف محلية، بل كسردية ثقافية ناشئة تنبع من مجتمع يعيد اكتشاف نفسه.
من الحفظ إلى الاستثمار الثقافي
نجحت الهيئة في نقل النقاش من دائرة الحفظ إلى دائرة الاستثمار. فالتراث المحبوس في الأرشيف يفقد تأثيره تدريجياً، بينما يتحول حين يدخل الإنتاج الإبداعي والمشروعات الاقتصادية والمحتوى البصري إلى عنصر حي في حياتنا اليومية وحضورنا العالمي.
ومع مرور الوقت، تجاوزت أزياؤنا مرحلة التعريف بالنفس. لم يعد السؤال «ماذا نرتدي؟» بل «ما القصة التي نرويها حين نرتدي؟». وهنا تتجلى القيمة الأعمق: الأزياء ليست سوقاً بمليارات الريالات فحسب، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي بالهوية، وجسر يربط ما كنا به بما نصبو إليه.
المعرفة المختبئة في غرزة الإبرة!
خلف القماش والزخرفة تختبئ معرفة تراكمت عبر قرون. الثوب الجنوبي ليس قطعة قماش، بل خبرة مع الجبال والمطر. والزي الحجازي ليس لوناً، بل حكاية بحر وتجارة وانفتاح. والزي النجدي والشرقي ليس تنوعاً جغرافياً، بل فهم للصحراء والنخيل والبيت والجيرة.
في كل غرزة معرفة بالمناخ والمواد والاقتصاد والجمال والعلاقات الاجتماعية.
ومن هنا يبرز سؤال أعمق من سؤال الهوية: ليس كيف نحفظ الأزياء، بل كيف نحفظ المعرفة التي صنعتها؟ فالثوب يمكن أن يستقر في متحف، لكن المعرفة التي نسجته لا تبقى إلا إذا ظلت حية تنتقل وتتطور. ولهذا تتجاوز الأزياء حدود الموضة والتراث، لتصبح قضية ثقافية ومعرفية تمس علاقتنا بمستقبلنا.
النقد البنّاء.. شرط النمو لا عائقاً
ومع هذا الزخم، يبرز سؤال يواجه القطاع في مرحلته الراهنة: هل نحن أمام صناعة اكتملت ملامحها، أم أمام خطاب متقدم على المادة التي يستند إليها؟
على المستوى الدولي، تُعرض المملكة كقوة صاعدة في الأزياء. لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن البنية الإنتاجية المحلية لا تزال محدودة، والاعتماد على الخارج في التصنيع والتدريب مرتفع، وسلاسل القيمة الوطنية لم تكتمل بعد.
هنا يكمن التحدي: التعامل مع القطاع على أنه دخل مرحلة «النضج» قبل أن تستكمل أدوات «التأسيس». وهي معادلة قد تمنح صورة براقة على المدى القصير، لكنها تترك فراغاً هيكلياً على المدى الطويل.
ومن أخطر المؤشرات في أي صناعة ناشئة ليس وقوع الأخطاء، بل غياب النقاش النقدي الجاد حولها. فالمشهد الحالي يغلب عليه خطاب الاحتفاء، بينما تضيق مساحات التفكيك والنقد البنّاء. وغياب النقد الداخلي يخلق بيئة مريحة ظاهرياً، لكنها خطيرة استراتيجياً، لأن الصناعة التي لا تُنتقد.. تتوقف عن التطور داخلياً، وتصبح أسيرة للصورة دون المضمون.
آليات العمل وأهداف الرؤية
تعمل هيئة الأزياء السعودية وفق منظومة متكاملة لتحقيق رؤيتها، تشمل:
* وضع تشريعات خاصة بالقطاع تحميه وتنظمه.
* تأسيس جمعية تجمع محترفي الأزياء السعوديين تحت مظلة واحدة.
* استثمار قنوات التواصل وعقد فعاليات لسرد قصص الأزياء السعودية.
* إنشاء استديو لدعم المصممين وتطوير منتجاتهم.
* تطوير البحث والاستثمار في تقنيات المنسوجات والابتكار.
* جمع بيانات القطاع كافة وإتاحة الوصول إليها.
* تنظيم الفعاليات والمعارض على المستويين الوطني والدولي.
* إطلاق برنامج إرشادي لصناعة جيل جديد من المصممين.
*إثراء البرامج التعليمية المتعلقة بالأزياء السعودية.
وتصب هذه الآليات في أهداف استراتيجية تتمثل في الالتزام بتقاليد المجتمع وعاداته، وريادة المملكة إقليمياً وعالمياً، ودعم الإبداع وإبراز الهوية الثقافية، وتوفير بيئة محفزة للمصممين، ومواكبة مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتنمية المواهب الوطنية، وصناعة مستقبل واعد للأزياء مع الاحتفاء بالأزياء التقليدية.
خلاصة
ما حققته هيئة الأزياء السعودية من حضور وتدويل وتأسيس إطار مؤسسي يُحسب لها ويُثمن. لكن النجاح الحقيقي في الصناعات الثقافية لا يُقاس بالوصول إلى المنصات، بل بما إذا كان هذا الوصول قد أنتج لغة تصميم، ومدرسة فكرية، ونظام ذوق مستقل.
حتى اللحظة، الصورة الأقرب هي لقطاع دخل اللعبة العالمية بسرعة لافتة، لكنه لم يحدد بعد شكل لعبته الخاصة وقواعدها. وفي هذا الفارق يكمن السؤال الثقافي الأهم الذي لا يحتمل التأجيل..
هل تُصنع الأزياء السعودية اليوم كهوية مستقلة، أم كامتداد محسّن لهوية عالمية قائمة؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح العقد المقبل من عمر هذه الصناعة.