د. طلال الحربي
ثمة لحظات في مسيرة المدن لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تحمله من دلالة وما تُطلقه من إشارة. وحين حطّت أولى طائرات طيران الرياض على أرض العاصمة، لم يكن المشهد مجرد حفل استقبال، بل كان إعلاناً هادئاً عن مرحلة مختلفة بدأت ملامحها تتضح ورؤية قائد تترجم إلى واقع .
الرياض مدينة تعرف كيف تفاجئ. وكلّما ظننت أنك أدركت حجم ما تبنيه، يجيء جديدها ليوسّع السقف من جديد. طيران الرياض واحد من تلك المشاريع التي لا يمكن اختزالها في خانة «إضافة جديدة»، لأن ما يمثله أعمق من ذلك بكثير. إنه رهان على هوية المدينة وعلى دورها في منظومة العالم المتشابك، ناقل يحمل اسم العاصمة إلى أكثر من وجهة حول العالم، بأسطول يستهدف الوصول إلى مئة واثنتين وثمانين طائرة. هذا ليس مجرد توسّع، هذا تحوّل في المكانة.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون استحضار الجهود المتراكمة التي أسست له. فصاحب السمو الدكتور أمين منطقة الرياض يقف خلف رؤية متكاملة للعاصمة، رؤية ترى الرياض لا كمجرد مدينة تدار، بل كمشروع حضاري يُبنى بعناية وبعد نظر. ما تشهده العاصمة اليوم من تحولات في البنية والنقل والسياحة والخدمات اللوجستية هو ثمرة لتوجيهات تضع الإنسان والمستقبل في قلب كل قرار. ومن يتأمل مشاريع الرياض الكبرى يدرك أن ثمة خيطاً رابطاً بينها، خيط التخطيط الواثق والمتابعة الدقيقة.
على رأس مجلس إدارة طيران الرياض معالي الأستاذ ياسر الرميان، وهو اسم لا يحتاج إلى تعريف في سياق المشاريع الوطنية الكبرى. الرجل الذي قاد تحولات صندوق الاستثمارات العامة وأعاد تعريف ما يعنيه الاستثمار السيادي في عصرنا، يُسخر الآن خبرته وشبكته وثقله المؤسسي لصالح هذا المشروع. حين يتبنى مجلس بهذا المستوى من الكفاءة مشروعاً، فإن الثقة ليست تفاؤلاً، بل قراءة موضوعية. وأعضاء المجلس من حوله يُتمّون الصورة، كل منهم يحمل خبرة تقاطعت مع الوقت المناسب لخدمة هذا المشروع.
أما الفريق التنفيذي ومنسوبو الشركة، فلهم حصة وافرة من هذا الفخر. وصول الطائرة الأولى ليس نقطة البداية بمفهومها الحرفي، فقد سبقت ذلك سنوات من العمل الصامت في التخطيط والتفاوض وبناء الهياكل وتأهيل الكوادر. ما نراه اليوم على أرض المطار هو ما كان يعمل بعيداً عن الأضواء لفترة طويلة. وهؤلاء هم صانعو الحدث الحقيقيون.
ما يستوقفني في طيران الرياض هو توقيته أكثر من أي شيء آخر. إطلاق ناقل وطني يحمل اسم العاصمة، قبل سنوات من إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، ليس مصادفة في التخطيط، بل هو جوهر التخطيط. الرياض لا تريد أن تكون محطة عبور عابرة في خريطة الفعاليات العالمية، بل مركزاً يُشكل تجربة الزائر منذ أن تُغلق الطائرة أبوابها. وطيران الرياض هو الأداة التي تجعل هذا التحكم ممكناً.
تعزيز الرياض كمركز للأعمال والسياحة والخدمات اللوجستية لم يعد خطاباً تطلعياً، فنحن أمام مشروع يُترجم هذا التوجه إلى واقع تشغيلي يُقاس بعدد الرحلات والوجهات والمقاعد. ومع كل وجهة جديدة يصلها طيران الرياض، تمتد خيوط الرياض أبعد، وتتسع دائرة من يعرفونها لا كاسم على الخريطة، بل كوجهة تستحق الرحلة.
المدن العظيمة لا تنتظر أن يأتيها العالم، بل تخرج هي لاستقباله. والرياض تفعل هذا الآن.
طائرة وصلت، ومئة وإحدى وثمانون في الطريق.