د. سطام بن عبدالله آل سعد
كان أول كأس عالم تابعته نسخة 94م في أمريكا، تلك البطولة التي لا تزال محفورة في الذاكرة. كانت بطولة مارادونا الأخيرة، وباجيو الجريح، والثنائي روماريو وبيبيتو، لكنها بالنسبة لنا كانت قبل كل شيء بطولة سعيد العويران وهدفه الخالد؛ تلك اللحظة السعودية التي دخلت ذاكرة المونديال، وبقيت عنوانًا لوصول الأخضر التاريخي إلى دور الستة عشر في مشاركته الأولى.
ومنذ ذلك الحين، أصبح حضور الأخضر في عام 94م معيارًا صعبًا في ذاكرتنا. وربما نظلم به أحيانًا كل مشاركة جاءت بعده؛ لأن ذاكرتنا بقيت أسيرة تلك التجربة، بكل ما حملته من فرح واعتزاز. فقد كان ذلك الجيل الذهبي قريبًا من الناس، يشبه حماسهم، ويمنحهم شعورًا صادقًا بأن الأخضر قادر على أن يصنع شيئًا مختلفًا.
وهنا تظهر قيمة الهوية في كأس العالم؛ فلكل منتخب عظيم ملامحه التي يعرفه الناس بها. هكذا صنعت البرازيل مجدها بالفن والمهارة، وألمانيا بالانضباط والصرامة، وإيطاليا بالدفاع والذكاء، وإسبانيا بالاستحواذ والصبر، والأرجنتين في 2022م بروح جماعية تقاتل من أجل الحلم، والمغرب في البطولة نفسها بإيمان وتنظيم وشخصية صلبة.
وهذا ما نريده من منتخبنا اليوم. لا نريد أخضر خائفًا، ولا منتخبًا ينتظر أخطاء الآخرين أو يترك المباراة تمضي من دون أثر. نريد منتخبًا يفرض حضوره منذ البداية، يعرف متى يدافع، ومتى يهاجم، ومتى يصبر، ومتى يقاتل. نريد لاعبًا يشعر أن القميص الذي يرتديه يحمل ذاكرة وطن، ودموع مشجعين انتظروا طويلًا.
وقد رأينا شيئًا من ذلك أمام الأرجنتين؛ حين كان الفوز رسالة واضحة بأن الأخضر، متى حضر بروحه وانضباطه وشجاعته، يستطيع أن يهزم الحسابات قبل أن يهزم الخصم. لذا تبدو مباراة الأوروغواي أكثر من مباراة؛ فهي بداية الطريق، ومقياس الجاهزية، واللحظة التي سنعرف من خلالها قدرة الأخضر على الذهاب بعيدًا في البطولة.
قد لا نملك أقوى منتخب في العالم، لكننا نملك جمهورًا يحب الأخضر بصدق؛ جمهورًا يغفر الهزيمة إذا رأى الروح، ويبكي من الفرح إذا شعر أن اللاعبين قاتلوا من أجل الوطن.
دعواتنا للأخضر أن يدخل مباراة الأوروغواي بحضور قوي، وتركيز عالٍ، وحماس لا ينطفئ. فربما تبدأ الحكاية من هناك، وربما تولد فرحة تعيدنا إلى ذلك الطفل الذي أحب كأس العالم أول مرة، وأحب معه الأخضر، وما زال ينتظر لحظة يتحرر فيها من أسر ذاكرة 94م.