حذامي محجوب
مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، بدأ العالم يستعد لمتابعة أكبر تظاهرة كروية في تاريخ اللعبة، ليس فقط من حيث عدد المنتخبات والمباريات، بل أيضاً من حيث حجم الحضور الجماهيري واتساع رقعة الاستضافة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وكما في كل مونديال، تتجه الأنظار إلى الملاعب، إلى النجوم، إلى الأهداف واللحظات التي تصنع ذاكرة الشعوب.
لكن مونديال هذه السنة يحمل خصوصية مختلفة تماماً، فهو لا يُقرأ فقط من خلال النتائج والترتيب والمنافسة الرياضية، بل يكشف أيضاً صورة عالم مضطرب تتداخل فيه الرياضة مع السياسة، والأمن مع الهوية، والشغف الشعبي مع حسابات الدول.
لقد أرادت الدول المنظمة أن يكون هذا الحدث رسالة احتفاء بالتنوع والانفتاح، لكن الواقع الدولي فرض حضوره بقوة.
فالحروب والتوترات الإقليمية، والصراعات السياسية المتزايدة، وملفات الهجرة والأمن، كلها وجدت طريقها إلى واحدة من أكثر المساحات العالمية تأثيراً: ملعب كرة القدم.
ومن أبرز الملفات التي تحيط بهذه النسخة مشاركة المنتخب الإيراني، وهي مشاركة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
فالجماهير لا تتابع فقط أداء اللاعبين ونتائج المباريات، بل تراقب أيضاً السياق السياسي والأمني الذي يرافق وجود المنتخب الإيراني على الأراضي الأمريكية.
تبرز مدينة لوس أنجلوس، التي تحتضن إحدى مباريات البطولة، باعتبارها نموذجاً لهذه الحساسية.
فالمدينة لا تمثِّل مجرد محطة رياضية، بل تضم واحدة من أكبر التجمعات الإيرانية خارج إيران، بما فيها تيارات سياسية مختلفة ومعارضون للنظام الإيراني.
لذلك تتعامل السلطات الأمريكية مع الحدث باعتباره مناسبة تحتاج إلى إجراءات أمنية دقيقة، خشية أن يتحول اللقاء الرياضي إلى مساحة للتعبير السياسي أو الاحتجاج.
وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات العصر: كرة القدم التي طالما قُدمت باعتبارها لغة عالمية تتجاوز الحدود، تجد نفسها اليوم محاطة بحدود السياسة.
فالمباراة التي يفترض أن تكون تسعين دقيقة من المنافسة الرياضية، قد تحمل معها رسائل سياسية ورمزية تتجاوز صافرة البداية والنهاية.ولا يقتصر حضور السياسة في مونديال 2026 على الملف الإيراني. فقد أثارت سياسات الهجرة وإجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة نقاشات واسعة، بعدما واجه بعض المشجعين تحديات مرتبطة بالتأشيرات والسفر.وهو ما أعاد طرح سؤال قديم جديد: هل تبقى كأس العالم فعلاً بطولة مفتوحة للشعوب، أم تصبح تدريجياً خاضعة لحسابات الدول المضيفة؟
كما أن الجانب الاقتصادي لم يكن غائباً عن الجدل.فارتفاع كلفة السفر والإقامة والتذاكر جعل حضور المباريات حلماً صعباً بالنسبة لفئات واسعة من عشاق كرة القدم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى فضاء بعيد عن جمهورها التقليدي.
إن مونديال 2026 لا يعكس فقط قوة كرة القدم، بل يعكس أيضاً قوة تأثيرها.
فهذه اللعبة لم تعد مجرد منافسة بين منتخبات، بل أصبحت مرآة تعكس صراعات العصر وتناقضاته.
اللاعبون يتنافسون داخل المستطيل الأخضر، لكن خلف الخطوط هناك عالم كامل يتحرك: حكومات، شعوب، هويات، وأزمات تبحث عن مكان لها في المشهد العالمي.
وربما تكون الرسالة الأعمق لهذه النسخة من كأس العالم أن كرة القدم قادرة على جمع الملايين حول حلم واحد، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تعزل نفسها عن عالم مليء بالانقسامات.
فبينما ترتفع الأعلام وتتعالى الهتافات في المدرجات، تبقى السياسة حاضرة في الخلفية، تذكّر الجميع بأن كرة القدم ليست خارج التاريخ، بل هي إحدى أكثر ساحاته تأثيراً في الزمن الراهن.
** **
- تونس