جانبي فروقة
قبل أكثر من ثلاثين عاماً كان شقيقان يقفان بجانب عربة صغيرة لبيع القهوة في ولاية أوريغون الأمريكية ولم تكن لديهما خطة لبناء إمبراطورية عالمية ولا عروض من مستثمرين كبار ولا حتى تطبيق إلكتروني يربطهما بالعملاء بل كان كل ما يملكانه هو القهوة وابتسامة صادقة ورغبة في أن يغادر الزبون أكثر سعادة مما كان عليه عند وصوله، واليوم أصبحت تلك العربة الصغيرة سلسلة Dutch Bros دتش بروس التي تضم أكثر من ألف فرع في الولايات المتحدة وتستعد لافتتاح مئات الفروع الجديدة خلال السنوات القادمة وتتراوح قيمتها بين 9 إلى 11 مليار دولار وما يجعل قصة Dutch Bros مثيرة للاهتمام ليس حجمها أو نموها السريع بل الدرس الذي تقدمه في زمن أصبح فيه الجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي فخلال مؤتمر Restaurant Leadership Conference 2026 مؤتمر قادة المطاعم الذي جمع كبار التنفيذيين في قطاع المطاعم الأمريكي تحدث الجميع تقريباً عن التكنولوجيا والبيانات والتحول الرقمي، لكن عندما صعدت الرئيسة التنفيذية للشركة كريستين بارون إلى المنصة لتكرم بجائزة أفضل قائد مطاعم في 2026 م اختصرت سر نجاحها بكلمة واحدة وهي «الثقافة» وكان ذلك لافتاً ففي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات لبناء تطبيقات أكثر ذكاءً وخوارزميات أكثر تطوراً كانت إحدى أسرع الشركات نمواً في القطاع تؤكد أن العامل الحاسم ما زال الإنسان وهذه المفارقة تلخص ربما ما يحدث اليوم في صناعة المطاعم العالمية، فعلى السطح يبدو أن التكنولوجيا هي البطل الرئيسي للقصة لكن كلما تعمقنا أكثر اكتشفنا أن النجاح لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها بل بالطريقة التي تستخدم بها تلك التكنولوجيا لخدمة الإنسان ولعل هذا ما يفسر التحولات العميقة التي ناقشها قادة القطاع خلال المؤتمر وأحد الدروس الرئيسية التي خرج بها المؤتمر هو أن المستهلك الأمريكي أصبح أكثر حساسية تجاه القيمة حيث لم يعد يسأل: «كم سعر الوجبة؟» بل أصبح السؤال أعمق وهو: «هل تستحق الوجبة ما أدفعه؟» وارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة دفع كثيراً من المستهلكين إلى إعادة تقييم قرارات الإنفاق ما أجبر سلاسل المطاعم الكبرى على تطوير استراتيجيات أكثر ذكاءً في التسعير والعروض الترويجية وهذا الاتجاه بدأ يظهر بوضوح في الخليج العربي وخاصة السعودية أيضاً فبعد سنوات من النمو السريع أصبح المستهلك السعودي أكثر وعياً بالمقارنة بين الأسعار والجودة والقيمة المضافة لذلكفإن العلامات التي تنجح في تقديم تجربة متكاملة بسعر عادل ستكون الأكثر قدرة على النمو خلال المرحلة المقبلة.
من المهم معرفة أن حجم قطاع المطاعم الأمريكي يصل إلى 1.5 تريليون دولار وحجمه قطاع المطاعم في الخليج العربي يصل إلى 69 مليار دولار ولكن نسبة النمو في الخليج العربي تقريبا 10% وهي ضعف نسبة نمو قطاع المطاعم في أمريكا وهناك ميزة تنافسية للمجتمع الخليجي وهي أنه مجتمع فتي مقارنة بالمجتمع الأمريكي ولكن ذلك لا يعني تجاهل التغيرات المستقبلية، فمع ارتفاع متوسط الأعمار تدريجياً وزيادة الوعي الصحي ستحتاج العلامات التجارية إلى فهم احتياجات شرائح عمرية أكثر تنوعاً.
إن المستهلك الأمريكي نفسه بدأ يتغير فقبل سنوات كان العميل يدخل المطعم وهو يبحث عن وجبة مشبعة وسريعة، أما اليوم فقد أصبح كثير من العملاء يدخلون المطعم وهم يحملون معهم أسئلة صحية جديدة حيث تشير البيانات التي استعرضها المؤتمر إلى أن نحو شخص من كل ثمانية بالغين في الولايات المتحدة يستخدم حالياً أو استخدم مؤخراً أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1 وغيرها التي غيرت عادات ملايين الأشخاص والنتيجة أن كثيراً من المستهلكين أصبحوا يأكلون كميات أقل ويتجنبون المشروبات السكرية والأطعمة المقلية ويبحثون أكثر عن البروتين والأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة وفجأة وجدت المطاعم نفسها أمام واقع جديد وهو أن العميل نفسه لم يعد هو العميل الذي عرفته قبل خمس سنوات ولأن الأسواق لا تنتظر أحداً بدأت المطاعم بالتكيف وظهرت وجبات أصغر حجماً وأكثر تركيزاً على القيمة الغذائية وبدأت قوائم الطعام تتحدث عن البروتين والألياف كما كانت تتحدث سابقاً عن الطعم والسعر، ورغم أن هذه الظاهرة تبدو أمريكية في ظاهرها إلا أن آثارها بدأت تصل تدريجياً إلى الخليج فمع انتشار أدوية إنقاص الوزن وارتفاع الوعي الصحي في السعودية والإمارات وباقي دول الخليج قد تجد مطاعم الخدمة السريعة نفسها قريباً أمام التحول ذاته ومع تطور التكنولوجيا اليوم نجد أن التغيير الأكبر لا يحدث داخل المطبخ بل داخل الهاتف المحمول، فاليوم تمر معظم الطلبات في الولايات المتحدة عبر التطبيقات والمنصات الرقمية وقد أصبح الهاتف الذكي هو النادل الجديد الذي يستقبل الطلبات ويحصل الفاتورة ويقترح الوجبة التالية غير أن الدراسات تشير إلى مفارقة مثيرة للاهتمام فكلما ازدادت الطلبات الرقمية تراجع الشعور الإنساني لدى بعض العملاء، ومع أن العملية أصبحت أسرع لكن التجربة أصبحت أكثر برودة وهنا بدأ الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً مختلفاً ففي سلسلة Chipotle شيبوتلي أصبح الذكاء الاصطناعي يساعد في عمليات التوظيف وتقليل الوقت اللازم لاختيار الموظفين أما Starbucks مقاهي ستاربكس فتستخدم البيانات والخوارزميات لتوقع ما قد يفضله العميل بناءً على سلوكه السابق وحتى حالة الطقس وباتت McDonald»s مكدونالدز تعتمد على أنظمة ذكية لتحسين إدارة المخزون والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها لتحسين والحفاظ على الجودة وسلاسل الإمداد وفي أوروبا ذهبت بعض المطاعم خطوة أبعد حيث أصبحت الكاميرات الذكية تراقب جودة الطعاماخل المطابخ بينما تتنبأ الخوارزميات بحجم الطلب اليومي وتساعد على تقليل الهدر الغذائي بشكل كبيروكل ذلك يبدو مثيراً للإعجاب ولكن السؤال الحقيقي ليس ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله بل ما الذي لا يستطيع فعله.
وهنا تعود بنا القصة إلى دتش بروس Dutch Bros مرة أخرى فعندما سُئلت كريستين بارون عن سر نجاح الشركة لم تتحدث عن الخوارزميات أو قواعد البيانات بل تحدثت عن الموظفين حيث أنه في Dutch Bros يبدأ كثير من المديرين حياتهم المهنية خلف ماكينة القهوة ومع توسع الشركة لا تبحث الإدارة أولاً عن قادة من الخارج بل تنظر إلى موظفيها الحاليين ولذلك نجحت الشركة في بناء ثقافة نادرة داخل قطاع يشتهر عالمياً بارتفاع معدل دوران العمالة وقد فهمت الشركة شيئاً يبدو بسيطاً لكنه بالغ الأهمية وهو أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتنبأ بالمشروب الذي قد تطلبه لكنه لا يستطيع أن يرحب بك ويستطيع أن يختصر وقت الانتظار ولكنه لا يستطيع أن يصنع شعور الانتماء والولاء ويستطيع أن يزيد الأرباح لكنه لا يستطيع أن يصنع السحر وربما لهذا السبب كانت كلمة «السحر» من أكثر الكلمات تكراراً في حديث بارون فالسحر بالنسبة لها لا يعني الخدع التسويقية بل تلك اللحظة التي يشعر فيها العميل أنه أكثر من مجرد رقم داخل قاعدة بيانات وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأهم لقطاع المطاعم في السعودية ودول الخليج العربي فالمملكة اليوم تمتلك واحداً من أسرع أسواق المطاعم نمواً في العالم كما أن رؤية 2030 دفعت بقوة نحو التحول الرقمي بينما أصبح استخدام تطبيقات التوصيل والدفع الإلكتروني جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية لكن النجاح المستقبلي لن يتحقق بمجرد امتلاك أفضل تطبيق أو أسرع منصة فالعديد من الشركات تستطيع شراء التكنولوجيا نفسها أما ما لا يمكن شراؤه بسهولة فهو الثقافة والهوية وتجربة العميل لهذا السبب قد تكون المنافسة القادمة في قطاع المطاعم مختلفة تماماً عما عرفناه في الماضي ولن تكون المنافسة بين من يملك أكبر عدد من الفروع ولا بين من يبيع أرخص وجبة بل بين من يفهم الإنسان بصورة أفضل ففي المستقبل القريب ستتحول المطاعم تدريجياً إلى شركات بيانات تمتلك مطابخ وستصبح الخوارزميات قادرة على معرفة ما نحب أن نأكله ومتى نجوع وما العروض التي قد تقنعنا بالشراء لكن وسط كل هذا التقدم ستبقى هناك حقيقة واحدة لم تتغير منذ أيام عربة القهوة الصغيرة في أوريغون وهي أن الناس لا يذهبون إلى المطاعم بحثاً عن الطعام فقط بل يبحثون عن أفضل تجربة، والتجارب الجميلة حتى الآن على الأقل ما زالت تحتاج إلى البشر وربما لهذا السبب لا يكمن مستقبل المطاعم في انتصار الذكاء الاصطناعي على الإنسابل في نجاح الشركات التي تعرف كيف تجعل الاثنين يعملان معاً.