د.عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري
في هذه الأيام يتذكَّر الناس هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكَّة إلى المدينة، ويتذكّرون معها دروسًا وأحداثًا ارتبطت بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوة الحق التي رعاها في مكَّة وحملها معه إلى المدينة.
لقد كان صلى الله عليه وسلم على الحق، ويعرف ذلك معرفة اليقين، وكان كفار مكَّة ومعاندو الدعوة منهم يعرفون حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته وما جاء به، وباطل ما كانوا عليه من الشرك، وعبادتهم لأوثان صنعوها بأنفسهم. ومع ذلك استماتوا في الدفاع عنها، وأراقوا دماءهم، وأنفقوا أموالهم في سبيل باطل يعرفون بطلانه. لكنه التكبر والغطرسة والغرور وبطر الحق. وكم في زماننا هذا من يحمل باطلاً ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة، مع معرفته الحقة بأنه على باطل.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل قبل الهجرة؛ ليجد ملجأ يؤويه وأصحابه وما حملوه من دعوة، ورغم ضعفه صلى الله عليه وسلم وقلة الأسباب المادية الظاهرة في نظر الناس، فإنه لم يقبل ما يحدّ الدعوة أو يربطها بوطن أو قوم معينين مثل بكر بن وائل عندما طلبوا ذلك -وكانوا في الأطراف الشمالية الشرقية للجزيرة العربية- أن يؤووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجيروه وينصروه ويحموه من سائر العرب، أما الفرس فقد اعتذروا عن مواجهتهم وقالوا لا طاقة لنا بهم، فكان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذًا لستم أصحابي)، فلم يكن ليقبل شرطًا يحدّ من دعوته أو يقيد رسالة رب العالمين إلى العالمين التي حملها {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
ولذلك فإن الأنصار رضي الله عنهم، حين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة، لم يشترطوا مثل تلك الشروط، فاستجاب لهم وقَبِل الهجرة معهم إلى المدينة بعد أن أعلنوا مناصرتهم التامة.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يرنو ببصره لبناء دولة الإسلام، ويخطط لها على ما وعده الله -سبحانه وتعالى- من نصرته وإظهار دعوته. فأخذ يخفي خبره عن قريش ويسعى إلى الترتيب الدقيق للرحلة، ويتخذ كل الأسباب المادية لنجاحها وإخفاء أمرها، مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس توكلاً على الله، ومع ذلك فهو يؤكد لأمته في ذلك التوكل مع العمل في وقت لا غنى لأحدهما عن الآخر.
سعت قريش لمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخروج من مكَّة، ورتبت أقوياءها لقتله عند داره، ولكن الله نجاه من شرهم. فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه صاحبه أبوبكر الصديق رضي الله عنه آخذين طريق المدينة، فارتعبت قريش وخرجت تطارد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلت الجوائز لمن يأتي به حيًا أو ميتًا.
أجل، إنه الإرهاب بعينه، يستعمله أصحاب الباطل ضد حامل الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تسابق الفرسان للحاق به صلى الله عليه وسلم وقد أهدر دمه وسمح بقتله أو أسره. وهنا تحدث المعجزة؛ إذ يصل سراقة بن مالك الجعشمي إلى منطقة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشاهده ويحاول اللحاق به، فتحدث المعجزة، تسيخ قدما فرسه في الأرض مرة بعد أخرى، حتى يتأكد أنه ممنوع بقدرة الله تعالى من اللحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه فيناديهما سراقة، ويطلب التحدث معهما، فيحادثه الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم على أرجح الآراء ويكتب له أبوبكر رضي الله عنه بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمانًا، مع أن الرسول هو الخائف والمطارد من قبل القوم ومع ذلك فإن سراقة يطلب الأمان لنفسه وبكتاب من الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتحدث معجزة أخرى في تلك الساعة؛ إذ يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى(1). ومن كسرى يا ترى؟ إنه أعظم ملوك الأرض آنذاك، وهذا المطارد الذي جعل زعماء مكَّة الجوائز لمن يأتي به حيًا أو ميتًا، يتحدث عن أعظم ملوك الأرض، وعن فتح أتباعه من المسلمين لدياره، وغنيمتهم أعز ما يملك.
إن الإنسان ليعجز عن وصف الحادثة إذا علم زمن الحدث ووقت الضعف الظاهر للناس في تلك اللحظة. ولكن صدق الله العظيم {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، ولي وقفة أخرى مع الحدث بإذن الله، والله المستعان.
كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل بين الحق والباطل، إعلانًا لقيام دولة الإسلام، ولحاقًا بركب المؤمنين وتجميعًا لهم في المدينة، وكراهية للظلم وتحركًا مضادًا له، وعدم خضوع للذلة والصغار والإهانة، وكانت الهجرة فوق هذا كله، إعلانًا لقيام دولة الحق ووضع لبذرتها الأولى في المدينة، التي شبت عن الطوق بعد ذلك، فبسطت سلطانها على مختلف أصقاع الأرض، ولا تزال الأرض تتأثر بأحداثها إلى اليوم الحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
كانت تغليبًا للمبدأ والدين على حب البلد والوطن، وعلى القوم إذا كانوا من أتباع الكفر والضلال والظلم، وعلى كل المقاييس المادية في سبيل رضا الله سبحانه وتعالى.
ولا تذكر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلاَّ ويذكر معها صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي ذكر الله له هذا الموقف في كتابه العزيز في قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
أجل، لقد كان أبوبكر الصديق رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحلة وفي الغار ولم يصحبه من الأمة غيره. وبهذا فإن الصديق واجب المحبة على الأمة، رغم أنف الكارهين لذلك، كان إيمانه يعدل إيمان الأمة كما قال عنه صلى الله عليه وسلم ولذلك فقد ذهب الصديق رضي الله عنه بفضل الصحبة في الهجرة على سائر أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
كانت الهجرة إلى المدينة وكان في المدينة يهود، هاجروا إليها منذ زمن، انتظارًا لوصول الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، لأن عندهم في علم الكتاب مما أخبرهم به أنبياؤهم: إن هذا المكان هو مهاجر النبي الأمي، وما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عرفوه حق المعرفة {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة: 146]. ولكنهم أرادوا أن يصرفوا الأمور كما يشاءون واعترضوا على مشيئة الله احتجوا ألا يكون النبي منهم فتكبروا وعصوا وطغوا ولم يؤمنوا به رغم معرفتهم له.
وفي المدينة حيث كان الأنصار الذين {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} [الحشر: 9]، الذين كان لهم مواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركوا فيها الحق واتبعوه وانقادوا له، ومنهم القائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، لا نقول لك: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24](2)، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
كانت هذه روح الأنصار منذ هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ولذلك أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وعنده أنصاره، وفي الوقت نفسه عنده أعداؤه وأعداء الله من اليهود الذين كانوا معوقًا لقيام دعوته ودولته صلى الله عليه وسلم.
كان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم لبناء دولته هو بناء مسجد قباء(3). نعم، بناء الدولة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ ببناء المسجد إنه التلازم الحقيقي بين الدين والدنيا، العمل للآخرة والعمل للدنيا صنوان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السياسة الأولى عنده وفي دولته تنطلق من المسجد؛ فكان صلى الله عليه وسلم إمامًا في الصلاة وفي الوقت نفسه قائدًا في السياسة.
ولم يشهد تاريخ البشرية له مثيلاً على الإطلاق، بل ربّى أعظم سياسي وقادة العالم وهم الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذين أقاموا ونظموا أعظم دولة عرفها تاريخ البشرية على الإطلاق، كان فيها كل مظاهر التقدم والعدل والعطاء والمساواة، حتى إن غير المسلمين فضلوهم على بني جلدتهم وإخوانهم في دينهم، ورضوا بحكم المسلمين وأحبوه خلال تلك الفترة لما رأوه من رحمتهم وعدلهم حتى مع أعدائهم.
وسعى الرسول صلى الله عليه وسلم منذ وصوله إلى المدينة إلى إيجاد التلاحم بين المهاجرين والأنصار، وإلى المؤاخاة التي كانت في أروع صورها، قوم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقوم آخرون لا يسألون الناس إلحافًا.
وكان عام الهجرة عامًا خاصًا لدى الأمة، له مكانته؛ ولذلك فإن الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أرادوا التميّز عن غيرهم اتخذوا تاريخ المسلمين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتميزوا بذلك عن سائر الأمم.
ومع الأسف الشديد فإنك لا تكاد تجد ذكرًا للتأريخ الهجري في العديد من بلاد العالم الإسلامي، في الوقت الذي نرى فيه دولة إسرائيل الناشئة تحيي تاريخها وتقويمها العبري وتفرضه في كل المؤسسات داخل دولتها، بل وتحاول نشره على مستوى العالم. أليست أمتنا هي الأولى بالتميز والمحافظة على ذلك التميز؟ إني لأعجب من التقليد مهما كانت الأعذار.
وقد سعدت المدينة وأهلها بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحت لها مكانتها بهذا التكريم، وتميزت على مدن الأرض بكونها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وعاصمة دولته التي تنورت بنور الإسلام وبوجوده صلى الله عليه وسلم فيها.
وأخذ المؤمنون يفدون إليها من كل مكان منهم الفقير والغني وذو الحاجة، وكانوا كلهم محل عطف وعناية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان يكلف المتعلم بتدريس الجاهل، والرامي بتدريب غيره، والفارس بتجهيز نفسه، والفقير بالعمل والاستغناء عن الآخرين، والغني بالإنفاق على إخوانه، وكان الجو كله إيمانًا وعملاً! إيثارًا وعطاءً! وتضحيةً وفداءً!
وكانت قريش تحس بالخطر من هذا المجتمع المؤمن الناشئ. ولذلك أخذت تدبر المكايد مع يهود ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، وأخذت تمنع من في مكَّة من المؤمنين من الهجرة واللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا فإن مغادرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكَّة لم توقف أذى قريش له ولأصحابه، بل استمر الأذى من قريش لحامل الدعوة وأتباعه من المؤمنين. وهكذا الكفر والإلحاد ودعاته لا يتركون الفئة المؤمنة وإن تركوهم. كما أن الفئة المؤمنة تعمل على هزيمة الكفر وأهله وإن كانوا من أقرب الأقربين.
ولذلك فالكل يتوجس من الآخر وهكذا فإن الصراع بين هاتين الطائفتين أزلي لا يتوقف، مهما كان الظاهر غير ذلك، ومهما تطور العالم وكثرت خيراته، ومخترعاته وأدواته.
ودروس الهجرة أكبر من أن تعرض في عجالة، لكنه الشعور بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وتذكر مواقفه يوم الهجرة تدفعنا للاستفادة منها باستمرار.
نسأل الله أن يعزَّ الإسلام وأهله، وأن يجعلنا من حملة دعوة الحق، هو وحده المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الهوامش
(1) انظر: الروض الأنف، السهيلي، ج4/ 218. السيرة النبوية، محمد الصلابي، ج1/ 473.
(2) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ج2/ 215.
(3) انظر: تاريخ المدينة، عمر بن شبة، ج1/ 63؛ الروض الأنف، السهيلي، ج4/ 198.