جمال بن على بوحسن
يقول المثل العربي: «لا تُرمى إلا الشجرة المثمرة»، وهو مثل بليغ يحمل في طياته الكثير من المعاني والدلالات. فحين يمر الناس ببستانٍ يضم عشرات الأشجار، فإن أنظارهم لا تتجه إلا إلى الشجرة المثقلة بالثمار، فيقذفونها بالحجارة طمعاً في ثمارها، بينما تبقى الأشجار الخالية بعيدة عن الاهتمام. وهكذا هو حال الأمم والدول الناجحة؛ فكلما ارتفع شأنها وتعاظمت إنجازاتها، أصبحت أكثر عرضة للنقد والاستهداف وحملات التشويه. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الكثير من الحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة، والتي لا تعكس في حقيقتها سوى حجم المكانة التي بلغتها بلاد الحرمين الشريفين على المستويين الإقليمي والدولي. فالأمم لا تُستهدف بسبب ضعفها أو هامشيتها، وإنما لأن حضورها وتأثيرها أصبحا حقيقة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.
لقد استطاعت المملكة العربية السعودية، بفضل رؤيتها الواضحة وسياساتها المتزنة، أن ترسخ مكانتها كقوة مؤثرة ومحورية في المنطقة والعالم. فمنذ تأسيسها وهي تنتهج سياسة قائمة على الاعتدال والحكمة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، الأمر الذي أكسبها احترام المجتمع الدولي وثقة مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
وعلى الصعيد السياسي، أصبحت المملكة لاعباً رئيسياً في معالجة العديد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، وساهمت بشكل فاعل في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز فرص الحوار والتفاهم بين الدول والشعوب. كما برهنت في مختلف المحطات التاريخية على أنها دولة مسؤولة تسعى إلى إطفاء بؤر التوتر وتقريب وجهات النظر، انطلاقاً من دورها العربي والإسلامي ومكانتها الدولية المرموقة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد شهدت بلاد الحرمين الشريفين نهضة تنموية غير مسبوقة انعكست آثارها على مختلف القطاعات. وأصبحت التجربة السعودية الحديثة نموذجاً عالمياً في التخطيط الاستراتيجي والتنويع الاقتصادي والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والتقنية الحديثة. كما نجحت في إطلاق مشاريع تنموية كبرى عززت من مكانتها الاقتصادية ورسخت حضورها كواحدة من أهم الاقتصادات المؤثرة في العالم حيث أضحت رؤية السعودية 2030 أنموذجا يحتذي به في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة.
وفي الجانب الاجتماعي والمعيشي، يلمس المواطن والمقيم حجم التطور الذي تشهده بلاد الحرمين الشريفين في مختلف مجالات الحياة. فقد تطورت الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية والنقل والخدمات الرقمية بصورة لافتة، وأصبحت جودة الحياة هدفاً استراتيجياً تعمل الدولة على تحقيقه من خلال برامج ومبادرات طموحة انعكست إيجاباً على مستوى المعيشة والخدمات المقدمة للسكان.
كما تُعد المملكة العربية السعودية من أكثر دول المنطقة استقراراً وأمناً، حيث تنعم بمستويات عالية من الأمن والأمان بفضل كفاءة أجهزتها الأمنية من الناحية البشرية والتقنية حيث تحرص قيادتها على حفظ الاستقرار وحماية المجتمع. وهذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج سياسات حكيمة ورؤية واضحة تضع أمن الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.
ولا يقتصر دور المملكة على التنمية الداخلية فحسب، بل يمتد إلى البعد الإنساني والإغاثي، حيث كانت ولا تزال من أكبر الدول الداعمة للأعمال الإنسانية حول العالم. فقد قدمت مساعدات سخية للدول والشعوب المتضررة من الكوارث والأزمات والحروب من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الانسانية دون تمييز انطلاقاً من مبادئها الإسلامية والإنسانية الراسخة. إن ما تحقق للمملكة من إنجازات سياسية واقتصادية وتنموية جعلها محط أنظار العالم، وجعل من الطبيعي أن تتعرض لحملات استهداف وتشويه من قبل بعض الجهات التي لا يروق لها نجاح المملكة العربية السعودية أو تنامي دورها وتأثيرها. غير أن هذه الحملات، مهما بلغت حدتها، لم تستطع أن تنال من مكانة المملكة أو تقلل من حجم إنجازاتها، بل زادتها حضوراً واحتراماً وثقة على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية عبر تاريخها الطويل أنها دولة مواقف عظيمة ومبادئ راسخة، وأنها كانت دائماً سنداً لأشقائها في دول مجلس التعاون الخليجي والعرب والمسلمين.
ونستذكر بكل فخر واعتزاز السجل الحافل للمملكة العربية السعودية الشقيقة، وما قدمته عبر عقود طويلة من مواقف قومية وإنسانية مشرفة تجاه قضايا أمتها العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث سخرت إمكاناتها السياسية والاقتصادية وقدمت الدعم المتواصل لنصرة الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه المشروعة. كما كان لها دور بارز ومؤثر خلال الحروب العربية الإسرائيلية، إذ وقفت إلى جانب أشقائها العرب بكل ما تملك من إمكانات وموارد دعماً لمعركة الأمة ومصالحها العليا.
ونستحضر كذلك موقفها التاريخي العظيم إبان الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة عام 1990م، حين فتحت المملكة قلبها قبل حدودها لاستقبال الأشقاء الكويتيين، وسخرت إمكاناتها ومواردها كافة دعماً للكويت وشعبها، وأسهمت بدور محوري في الجهود التي انتهت بتحريرها وعودة الشرعية إليها في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله.
كما يظل في ذاكرة البحرينيين موقف المملكة المشرف خلال أحداث عام 2011م، حين وقفت إلى جانب مملكة البحرين في واحدة من أدق المراحل التي مرت بها، حيث وجّه المغفور له بإذن الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، بدعم البحرين ومساندتها، وأمر قوات درع الجزيرة بالقيام بواجبها في حماية أمن واستقرار المملكة والتصدي للمخططات التي استهدفت وحدتها الوطنية وأمنها وسيادتها. ولا يمكن إغفال ما قدمته المملكة العربية السعودية من تسهيلات ودعم لأشقائها خلال الأزمات والتحديات الإقليمية المختلفة، حيث فتحت مطاراتها وأجواءها وموانئها وسخرت إمكاناتها لخدمة الأشقاء وتخفيف آثار الأزمات عنهم، في تجسيد عملي لنهجها الثابت القائم على التضامن العربي وتحمل المسؤولية تجاه محيطها الإقليمي.
إن هذه المواقف وغيرها كثير، مما يصعب حصره في كلمات أو صفحات، تؤكد المكانة الرفيعة التي تتبوأها المملكة العربية السعودية بين أشقائها، وتجسد نهجاً راسخاً من الوفاء والنخوة والالتزام القومي، جعل منها سنداً وعوناً لأمتها في أوقات الشدة، وشريكاً أساسياً في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.
إذ تعتبر بلاد الحرمين الشريفين حصناً للاستقرار والاعتدال. وكلما واجهت تحدياً خرجت منه أكثر قوة وثباتاً، مستندة إلى قيادة حكيمة يقف شامخا في سدتها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ومن خلفة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وشعب وفيّ يؤمن بوطنه ويعتز بمنجزاته.
ومن هنا، فإننا كمواطنين خليجيين ننظر بكل فخر واعتزاز إلى ما حققته المملكة العربية السعودية من إنجازات وما قدمته من مواقف مشرفة، ونرى فيها ركناً أساسياً من أركان الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة. فحين تتحدث الإنجازات، وحين تُستحضر المواقف التاريخية المشهودة، فإن اسم المملكة العربية السعودية يحضر شامخاً في مقدمة الصفوف، شاهداً على مسيرة وطنٍ صنع مجده بالعمل والعطاء، ورسخ مكانته بالحكمة والإنجاز
** **
نائب سابق بمجلس النواب البحريني - الأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية