باسم سلامة القليطي
خلال الأسابيع الماضية أثار ما يُعرف بـ»نظام الطيبات» جدلا واسعا، حتى دفعت آثاره وممارساته وزارة الصحة إلى التحذير من الاعتماد عليه بديلا للعلاجات الطبية الموصوفة. لكن اللافت في القصة ليس النظام نفسه فحسب، بل اسمه أيضا. فكلمة «الطيبات» تحمل إيحاءً إيجابيا يجعل الفكرة تبدو أقرب إلى القبول قبل أن تُفحص أو تُناقش. وهنا تظهر قوة التأطير؛ فالعقول لا تتعامل مع الأفكار مجردة دائما، بل تتأثر كثيرا بالطريقة التي تُقدَّم بها تلك الأفكار.
في الحياة اليومية نختلف كثيرا حول الكلمات، لكننا نختلف أكثر حول الطريقة التي قيلت بها الكلمات. كم من نصيحة صادقة رُفضت بسبب أسلوب قاسٍ؟ وكم من فكرة عادية لاقت قبولا واسعا بسبب عرضٍ ذكي؟ وكم من خلاف كبير لم يكن سببه الرأي نفسه، بل الطريقة التي عُرض بها الرأي؟
مع مرور السنوات يتبين للإنسان أن الرسائل لا تنتقل من فم إلى أذن فقط، بل تمر قبل ذلك عبر طبقات من المشاعر والانطباعات والتوقعات. ولهذا قد تصل الحقيقة نفسها إلى شخصين مختلفين، فيستقبلها كل واحد منهما بطريقة مختلفة تماما.
هذه الملاحظة التي نعيشها كل يوم ليست مجرد مسألة ذوق أو لباقة، بل هي موضوع كامل في علم النفس السلوكي. وقد تناولها (رولف دوبيلي) في كتابه «فن التفكير الواضح» تحت اسم «التأطير»، وهو الميل إلى الحكم على المعلومة من خلال طريقة عرضها، لا من خلال مضمونها وحده.
ولعلنا نرى ذلك بوضوح في بيئات العمل. فحين يقال للموظف: «أداؤك فيه مشكلات كثيرة»، فإنه يستقبل الرسالة بطريقة مختلفة عما لو قيل له: «أداؤك جيد، وهناك نقاط محددة لو حسّنتها ستصبح متميزا». في الحالتين قد تكون الملاحظات نفسها، لكن إحدى العبارتين تدفع إلى الدفاع عن النفس، بينما تدفع الأخرى إلى التحسن. ليست القضية في المعلومة، بل في الإطار الذي وُضعت فيه المعلومة.
وأذكر أن أحد المعلمين حكى مرة عن طالب كثير التأخر وضعيف المستوى. كان أغلب من حوله يصفونه بالمهمل والكسول، حتى إن بعض زملائه بدأوا يتعاملون معه على هذا الأساس. لكن معلما آخر قال عنه عبارة مختلفة: «هذا الطالب ذكي، لكنه لم يكتشف بعد الطريقة المناسبة للتعلم». لم تتغير ظروف الطالب في تلك اللحظة، لكن الإطار الجديد منحه هوية مغايرة؛ فبدأ يتصرف بوصفه «ذكيا يتعلم» لا «مهملا يكسل». وبعد أشهر بدأ يشارك أكثر في الفصل، وتحسن مستواه بصورة ملحوظة. قد لا يكون السبب تلك العبارة وحدها، لكن المؤكد أن الكلمات التي نستخدمها لا تصف الواقع دائما، بل تسهم أحيانا في تشكيله.
ويظهر التأطير كذلك في عالم الإعلام والمنصات الرقمية. فالحدث الواحد قد يُقدَّم بعناوين متعددة تصنع انطباعات مختلفة تماما. أحيانا يكفي تغيير كلمة واحدة لتتحول شخصية من «مغامر» إلى «متهور»، أو من «متمسك بمبادئه» إلى «متشدد»، أو من «حازم» إلى «قاسٍ». ومع كثرة العناوين والمنشورات والمقاطع القصيرة التي نتعرض لها يوميا، يصبح من السهل أن نتبنى أحكاما لم نبنها بأنفسنا، بل ورثناها من الإطار الذي قُدمت لنا من خلاله المعلومة. ولهذا أصبح من الضروري أن نتعلم التمييز بين الحدث نفسه وبين الطريقة التي يُقدَّم بها ذلك الحدث.
ومكمن الخطورة أن الإنسان يمارس هذا التأطير على نفسه دون أن يشعر. ومن هنا ندرك عبقرية التوجيه النبوي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي».
لو تأملت الكلمتين لولدت لديك الدهشة؛ فالواقع المشهود واحد، وهو شعور الإنسان بضيق الصدر أو كدر المزاج. لكن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يغير الواقع، بل غيّر «العنوان» الذي نقرأ به هذا الواقع. لقد رفض كلمة «خَبُثَتْ» لما تحمله من ظِلال قاتمة توحي بالسوء الدائم والهوية المنكسرة، واستبدلها بكلمة «لَقِسَتْ» التي تعني العارض المؤقت والوعكة العابرة.
في تلك اللحظة، لم تتغير مشاعر الرجل، لكن الذي تغير هو «الإطار» الذي وُضعت فيه هذه المشاعر. فالكلمات التي نطلقها على عثراتنا ونفوسنا ليست مجرد أصوات عابرة، بل هي قوالب نصنع بها وعينا بذواتنا؛ فإما أن تختار كلمةً تحوّل العَرَض الطارئ إلى هوية دائمة، أو تختار أخرى تجعل منه سحابة صيف أوشكت أن تنجلي.
ومن هنا نفهم لماذا يختلف الناس أحيانا في تقييم التجربة نفسها. فبعضهم يرى التقاعد نهاية للعطاء، وبعضهم يراه بداية لمرحلة جديدة. وبعضهم يرى الانتقال من مدينة إلى أخرى خسارة لما اعتاده، بينما يراه آخر فرصة لاكتشاف حياة مختلفة. وفي كثير من الأحيان لا يكون الخلاف حول الواقع نفسه، بل حول الإطار الذي ننظر من خلاله إلى ذلك الواقع.
ولعل أجمل ما في الوعي بهذه الفكرة أنه يجعل الإنسان أكثر هدوءا وأقل اندفاعا. فبدل أن يسارع إلى تبني الانطباع الأول، يتعلم أن يسأل: ماذا لو قيلت هذه الفكرة بطريقة أخرى؟ ماذا لو استُبدلت هذه الكلمات بكلمات مختلفة؟ ماذا لو نظرت إلى الموضوع من زاوية ثانية؟ وهذه الأسئلة البسيطة كثيرا ما تكشف أن جزءا من قناعاتنا لم يكن ناتجا عن الحقائق وحدها، بل عن الطريقة التي وصلت بها تلك الحقائق إلينا.
لا يعني ذلك أن نهمل الأسلوب، فالأسلوب جزء من التواصل الإنساني، لكنه يعني ألا نسمح للأسلوب بأن يحجب عنا جوهر الفكرة. فالكلمات مثل الإطارات التي توضع حول الصور؛ قد تزيد الصورة جمالا، وقد تشد الانتباه إليها، لكنها لا ينبغي أن تجعلنا ننسى النظر إلى الصورة نفسها.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي أراد (رولف دوبيلي) إيصالها في كتابه: ليس المطلوب أن نشك في كل شيء، بل أن ننتبه للطريقة التي تُقدَّم بها الأشياء إلينا. فالحقيقة الواحدة قد ترتدي عشرات الأثواب، والعاقل لا يكتفي بالنظر إلى الثوب، بل يحاول أن يرى ما تحته أيضا.
فليس المهم دائما ما يُقال لنا، بل الكيفية التي يُقال بها. وكلما ازددنا وعياً بهذه الحقيقة، أصبحنا أقدر على فهم الناس، وأحسن حكما على الأخبار، وأقرب إلى اتخاذ قرارات تصنعها البصيرة لا الانطباعات العابرة.