عبدالكريم بن دهام الدهام
في زمنٍ مضى، كانت اللقاءات تُصنع من الشوق، ويُقاس دفؤها بقدر الحضور فيها. كان الإنسان يجلس مع من يحب، فيمنحه انتباهه كاملاً دون أن ينازعه عليه شيء. كانت الأحاديث تمتد بسلاسة، تتخللها نظرات الفهم والابتسامات الصادقة، وكان الصمت نفسه يحمل معنى ويعبر عن قربٍ لا تحتاجه الكلمات.
أما اليوم، فقد تغيَّرت تفاصيل كثيرة في علاقاتنا. نجتمع حول طاولة واحدة، لكن كل شخص يعيش في عالم مختلف خلف شاشة صغيرة. الأجساد متجاورة، لكن العقول والقلوب بعيدة. أصبح الهاتف ضيفاً دائماً في كل جلسة، يقتحم الحديث ويقطع خيوط التواصل في أكثر اللحظات التي تستحق التركيز والاهتمام.
المشكلة ليست في وجود الهاتف بحد ذاته، بل في المكانة التي منحناه إياها. فحين يصبح الجهاز أكثر جذباً لانتباهنا من الشخص الجالس أمامنا، فإننا نفقد شيئاً من إنسانيتنا في العلاقة. الإنسان لا يحتاج دائماً إلى حلول أو نصائح، بل يحتاج أحياناً إلى من ينصت إليه بصدق، ويشعره أن كلماته تجد طريقها إلى قلبٍ حاضر لا إلى أذنٍ مشغولة.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب ليس الهدايا ولا المجاملات، بل الحضور الحقيقي. أن نكون معهم بعقولنا كما نحن معهم بأجسادنا، وأن نمنحهم شعوراً بأنهم مهمون في هذه اللحظة تحديداً. فالانتباه شكل من أشكال الاحترام، ومن أرقى صور المحبة أيضاً.
ولعل أكثر ما يؤلم في العلاقات الحديثة أن بعض الناس يظنون أنهم يؤدون واجب التواصل بمجرد وجودهم في المكان، بينما الطرف الآخر يشعر بالوحدة رغم قربهم. فما قيمة الجلسة إذا كان الحديث يتعثر كل دقيقة بسبب إشعار جديد أو رسالة عابرة؟ وما قيمة اللقاء إذا اضطر الإنسان إلى تكرار كلماته لأنه لم يجد من يصغي إليه؟
لكن من الإنصاف أيضاً أن نعترف بأن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المجتمع وسيلة جديدة تستحوذ على اهتمام الناس. فقد دخل الراديو إلى البيوت، ثم التلفزيون، وبعده الهاتف الأرضي والقنوات الفضائية وغيرها من وسائل الترفيه والتواصل. نعم، كان الآباء والأجداد يواجهون تحديات مشابهة، لكنهم نجحوا في تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذه الوسائل والمحافظة على ترابط الأسرة وحضورها الإنساني.
لم يكن السر في الوسائل نفسها، بل في طريقة التعامل معها. فقد كان للوالدين دور كبير في تنظيم حياة الأسرة؛ هناك وقت للدراسة، ووقت للطعام، ووقت للزيارات العائلية، ووقت للراحة، ووقت لمتابعة البرامج المفضلة. كانت الأولويات واضحة، وكانت الأسرة تعرف متى تجتمع ومتى تنشغل، لذلك بقيت العلاقات الإنسانية متماسكة رغم وجود وسائل الترفيه المختلفة.
أما اليوم، فإن الحاجة أصبحت أكبر لإعادة ترتيب حياتنا وحماية أبنائنا من الانجراف نحو العزلة الرقمية. فالتقنية ليست عدواً يجب التخلص منه، لكنها تحتاج إلى وعي وتوازن. ومن هنا تبدأ مسؤولية التنشئة؛ بأن نشجع أبناءنا على الألعاب والأنشطة الجماعية التي تنمي روح المشاركة والتواصل، وأن نحرص على أن يقضوا أوقاتاً حقيقية مع إخوتهم ووالديهم وأقاربهم، لا أن تكون أغلب أوقاتهم مع شاشة لا تتحدث ولا تشعر.
فالطفل الذي يعتاد منذ صغره على اللعب الفردي والانشغال الدائم بالأجهزة، قد يكبر وهو أكثر ميلاً للعزلة وأقل قدرة على بناء العلاقات الاجتماعية. أما حين يتعلم المشاركة والحوار والتفاعل مع الآخرين، فإنه يكتسب مهارات إنسانية تبقى معه طوال حياته.
كما أن من المهم غرس احترام أوقات الأسرة في نفوس الأبناء، كوقت تناول الطعام أو الجلسة العائلية اليومية، ولو كانت نصف ساعة فقط. فهذه الدقائق القليلة قد تكون كافية لتجديد المودة وتعزيز التواصل وتبادل الاهتمام بين أفراد الأسرة.
ومن القيم التي ينبغي المحافظة عليها أيضاً، تعليم الأبناء آداب الإنصات واحترام المتحدث. فلا ينشغل الابن بهاتفه أثناء حديث شخص معه، ولا أثناء وجود كبير في السن يتحدث في أمر مهم. فالاهتمام بالمتحدث جزء من الاحترام، والإنصات الحقيقي دليل تقدير للآخرين.
لقد تعلمنا في صغرنا آداب استقبال الضيف، ومن أهمها عدم إظهار الملل أو الانشغال عنه، وعدم النظر المتكرر إلى الساعة وكأننا ننتظر انتهاء الزيارة. واليوم أصبح النظر المستمر إلى الهاتف أثناء الحديث يحمل المعنى نفسه؛ فهو رسالة صامتة قد توحي لمن أمامنا بأن اهتمامنا في مكان آخر، وأن اللحظة التي تجمعنا به ليست أولوية بالنسبة لنا.
إن العلاقات لا تضعف فجأة، بل تتآكل ببطء عندما يغيب الاهتمام وتتراجع قيمة الحضور. لذلك فإن من أجمل ما يمكن أن نفعله لأنفسنا ولمن نحب أن نضع هواتفنا جانباً لبعض الوقت، وأن نستعيد فن الإصغاء الذي كاد يختفي. فربما تكون لحظة انتباه صادقة أغلى أثراً في النفس من ساعات طويلة من الوجود الشكلي.
في النهاية، يبقى الإنسان محتاجاً إلى إنسان مثله؛ يراه ويسمعه ويشعر به. أما الشاشات، مهما قرّبت المسافات وسهّلت التواصل، فلن تستطيع أن تعوض دفء حضورٍ كامل، ولا نظرة اهتمام صادقة، ولا جلسة عائلية يلتقي فيها الجميع بقلوبهم قبل أجسادهم. فالحياة المتوازنة لا تقوم على رفض التقنية، بل على أن تبقى التقنية في مكانها الصحيح، وأن يبقى الإنسان هو الأولوية دائمًا.